تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 890

مساهمون:

ص٨٩٠
قبيل الخيال الباطل . وقال الأستاذ أبو إسحاق إنّه أي المنام إدراك حقّ بلا شبهة انتهى . وهذا هو المذهب المنصور الموافق للقرآن والحديث ويؤيده ما وقع في العيني شرح صحيح البخاري في شرح قوله « أول ما بدأ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة » « 1 » الحديث . إن قيل ما حقيقة الرؤيا الصالحة أجيب بأنّ اللّه تعالى يخلق في قلب النائم أو في حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظان ، وهو سبحانه يفعل ما يشاء ولا يمنعه نوم ولا غيره عنه . فربّما يقع ذلك في اليقظة كما رآه في المنام وربّما جعل ما رآه علما على أمور يخلقها في ثاني الحال ، أو كان قد خلقها فتقع تلك كما جعل اللّه تعالى انتهى . ثم قال في شرح المواقف : وقال الحكماء المدرك في النوم يوجد ويرتسم في الحسّ المشترك وذلك الارتسام على وجهين . الأول أن يرد ذلك المدرك على الحسّ المشترك من النفس الناطقة التي تأخذه من العقل الفعّال ، فإنّ جميع صور الكائنات مرتسم فيه . ثم إنّ ذلك الأمر الكلي المنتقش في النفس يلبسه ويكسوه الخيال صورا جزئية إمّا قريبة من ذلك الأمر الكلي أو بعيدة منه فيحتاج إلى التعبير ، وهو أن يرجع المعبّر رجوعا قهقريا مجرّدا له ، أي للمدرك في النوم عن تلك الصور التي صوّرها الخيال حتى يحصل المعبّر بهذا التجريد إمّا بمرتبة أو بمراتب على حسب تصرّف المتخيّلة في التصوير ، والكسوة ما أخذته النفس من العقل الفعّال فيكون هو الواقع . وقد لا يتصرّف فيه الخيال فيؤديه كما هو بعينه أي لا يكون هناك تفاوت إلّا بالكلية والجزئية فيقع من غير حاجة إلى التعبير . والثاني أن يرد على الحسّ المشترك لا من النفس بل إمّا من الخيال مما ارتسم فيه في اليقظة ، ولذلك من دام فكره في شيء يراه في منامه . وقد تركّب المتخيّلة صورة واحدة من الصور الخيالية المتعددة وتنقشها في الحسّ المشترك فتصير مشاهدة ، مع أنّ تلك الصورة لم تكن مرتسمة في الخيال من الأمور الخارجة ، وقد تفصل أيضا بعض الصور المتأدّية إليه من الخارج وترسمها هناك . ولذلك قلّما يخلو النوم عن المنام من هذا القبيل . وإمّا مما يوجبه مرض كثوران خلط أو بخار . ولذلك [ فإن ] « 2 » الدموي يرى في المنام الحمر ، والصفراوي النيران والأشعّة ، والسوداوي يرى الجبال والأدخنة ، والبلغمي المياه والألوان البيض . وبالجملة فالمتخيّلة تحاكي كل خلط أو بخار بما يناسبه وهذا المدرك بقسميه من قبيل أضغاث أحلام لا يقع هو ولا تعبيره ، بل لا تعبير له انتهى . لقد قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة : اعلم أنّ ثمّة خلافا حول تحقيق معنى الرؤيا لدى العقلاء بسبب الإشكال الوارد هنا ، وهو أنّ النوم عكس الإدراك . إذن فما يرى ( في المنام ) ما هو ؟ وأكثر المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة على أنّ ذلك خيال باطل وليس بإدراك حقيقي . أمّا عند المعتزلة فلأنّ للإدراك شرائط مثل المقابلة وخروج الشّعاع من العين المبصرة وتوسّط الهواء الشّفّاف وأمثال ذلك ، وهذا كله مفقود في المنام . إذن ما هو إلّا خيالات فاسدة وأوهام باطلة . وأمّا عند الأشاعرة : فمن حيث إنّ النوم نقيض الإدراك . ولم تجر العادة الإلهية بخلق الإدراك في النائم . إذن ما يوجد ليس إدراكا حقيقة بل هو خيال باطل . وأمّا مرادهم من ذلك فهو بطلان كونه إدراكا حقيقيا وليس عدم اعتباره
هامش
( 1 ) - مشكاة المصابيح للتبريزي 5841 ، - مستدرك الحاكم 3 : 183 . فتح الباري 1 / 21 . ( 2 ) [ فإن ] ( + م ، ع ) .