كثيرة ، بخلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة . وفي المغرب الدهر والزمان واحد .
وأما الفقهاء فقد اختلفوا فيه . فقال أبو حنيفة رحمه اللّه لا أدري ما الدهر وما معناه لأنّه لفظ مجمل ولم يجد نصّا على المراد عنه « 1 » فتوقّف فيه . ثم اختلفوا فروى بشر « 2 » عن أبي يوسف أنّ التعريف والتنكير سواء عند أبي حنيفة رحمه اللّه ، وذكر في الهداية الصحيح أنّ هذا في المنكّر وأمّا المعرّف فبمعنى الأبد بحسب العرف . وعندهما الدهر معرفا ومنكرا ستة أشهر هكذا يستفاد من جامع الرموز والبرجندي في آخر كتاب الإيمان .
الدّهرية :
[ في الانكليزية ]
Atheism
،
materialism - Atheisme
،
materialisme
،
al
[ في الفرنسية ]
dahriya ( secte )
فرقة من الكفار ذهبوا إلى قدم الدهر واستناد الحوادث إلى الدهر كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
« 3 » كذا في شرح المقاصد . وذهبوا إلى ترك العبادات رأسا لأنها لا تفيد ، وإنّما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو الواقع فيه . فما ثمّ إلّا أرحام تدفع وأرض تبلع وسماء تقلع وسحاب تقشع وهواء تقمع ، ويسمّون بالملاحدة أيضا . فهم عبدوا اللّه من حيث الهوية « 4 » . قال عليه السلام « إنّ الدهر هو اللّه » « 5 » كذا في الإنسان الكامل في باب سرّ الأديان ويجيء في لفظ الشرك أيضا . وفي كليات أبي البقاء الدهر هو في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ومدة الحياة ، وهو في الحقيقة لا وجود له في الخارج عند المتكلّمين لأنه عندهم عبارة عن مقارنة حادث لحادث ، والمقارنة أصل اعتباري عدمي . ولذا ينبغي [ في التحقيق ] « 6 » أن لا يكون عند من حدّه من الحكماء بمقدار حركة الفلك . وأما عند من عرّفه منهم بأنّه حركة الفلك فإنه وإن كان وجوديّا إلّا أنه لا يصلح للتأثير . والدهر معرّفا الأبد بلا خلاف . وأمّا منكّرا فقد قال أبو حنيفة رحمه اللّه لا أدري كيف هو في حكم التقدير لأنّ مقادير الأسماء واللغات لا تثبت إلّا توقيفا .
وجاء في ترجمة المشكاة للشيخ عبد الحق الدّهلوي في شرح حديث : « يؤذيني ابن آدم ، يسبّ الدهر وأنا الدهر » ، إلى آخره ، مذكور أنّ الدهر بمعنى الفاعل والمدبّر والمتصرّف ، لأنّ سبّ الدّهر مشعر باعتقاد أنّه فعّال ومتصرّف .
ويقال : الدّهر اسم فاعل متصرّف . لذلك قال :
« أنا الدّهر » يعني ما تعتقده ( يا ابن آدم ) بأنّه فاعل ومتصرّف فأنا الفاعل والمتصرّف فثمّة مضاف محذوف أي أنا مقلّب الدّهر ، كما يدلّ على ذلك آخر الحديث ، أعني : بيدي الأمر أقلب الليل والنهار . وقال الكرماني ( شارح البخاري ) :
المراد بأنا الدهر أنا المدهر أي مقلّبه . وقال بعضهم : الدّهر هو من الأسماء الحسنى الإلهية .
وقد أنكر ذلك « الخطابي » ، ولكن صحّة ذلك تفهم من القاموس مع صرف النظر عنها كون ذلك ليس فيه معنى جيدا ، إلّا بمعنى : الدّهر :
فاعل ومتصرّف ووجود الأذى بسبّ الدّهر من حيث إنّ الذّمّ والسبّ مشعر بثبوت التصرّف له ،
هامش
( 1 ) منه ( م ) .
( 2 ) هو بشر بن الوليد بن خالد الكندي البغدادي . توفي عام 238 ه / 853 م . من تلاميذ أبي يوسف صاحب أبي حنيفة . قاض حنفي . له عدة مؤلفات . هدية العارفين 5 / 232 .
( 3 ) الجاثية / 24 .
( 4 ) الهواية ( م ) .
( 5 ) رواه أحمد في المسند 5 / 299 ، بلفظ : لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر .
( 6 ) [ في التحقيق ] ( + م ، ع ) .