الاعتدال النوعي أنّ كل نوع من أنواع المركّبات العنصرية له مزاج مخصوص هو أصلح الأمزجة بالنسبة إليه فالحياة في كل نوع من أنواع الحيوانات تابعة لذلك المزاج المسمّى بالاعتدال النوعي . ومعنى الفيضان أنّه إذا حصل في مركّب عنصري اعتدال نوعي فاضت عليه من المبدأ قوة الحياة ثم انبعثت منها قوى أخرى ، أعني الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحرّكة إلى جلب المنافع ودفع المضار ، كلّ ذلك بتقدير العزيز العليم فهي تابعة للمزاج النوعي ومتبوعة لما عداها . وقد ترسم الحياة بأنّها قوة تقتضي الحسّ والحركة الإرادية مشروطة باعتدال المزاج .
واستدلّ الحكيم على مغايرة الحياة لقوتي الحسّ والحركة فقال ابن سينا هي غير قوة الحسّ والحركة ، وغير قوة التغذية فإنّها توجد في العضو المفلوج إذ هي الحافظة للأجزاء عن الانفكاك ، وليس له قوة الحسّ والحركة . وكذا الحال في العضو الذابل فإنّه لو لم يكن حيّا يفسد بالتعفّن مع عدم قوة التغذية ، وتوجد في النبات قوة التغذية مع عدم الحياة . وأجيب بأنّا لا نسلّم أن قوة الحس والحركة والتغذية مفقودة في المفلوج والذابل لجواز أن يكون الإحساس والحركة والتغذية قد تخلّف عن القوة الموجودة فيها لمانع يمنعها عن فعلها ، لا لعدم المقتضي .
ولا نسلم أنّ التغذية التي في الحي موجودة في النبات لجواز أن تكون التغذية في النبات مخالفة بالماهية للتغذية في الحي . هذا خلاصة ما في شرح الطوالع وشرح المواقف . فعلى هذا لا توجد الحياة في النبات وقيل بوجودها في النبات أيضا لأن الحياة صفة هي مبدأ التغذية والتنمية . ومنهم من ادّعى تحقق الحس والحركة في النبات كما سيجيء . وفي الملخّص الحياة إما اعتدال المزاج أو قوة الحسّ والحركة أو قوة تتبع ذلك الاعتدال ، سواء كان نفس قوة الحسّ والحركة ، أو مغايرة لها كما اختاره ابن سينا انتهى .
وفي البيضاوي في تفسير قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
« 1 » الآية ، الحياة حقيقة في القوة الحسّاسة أو ما يقتضيها مجاز في القوة النامية لأنّها من مقدماتها ، وفيما يخصّ الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنّه كمالها وغايتها ، والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة كما قال تعالى :
يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
« 2 » ، وقال
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
« 3 » ، وقال
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
« 4 » انتهى كلامه .
فائدة :
شرط الحياة عند الحكماء البنية « 5 » التي هي الجسم المركّب من العناصر على وجه
هامش
( 1 ) البقرة / 28 .
( 2 ) الجاثية / 26 .
( 3 ) الحديد / 17 .
( 4 ) الانعام / 122 .
( 5 ) البنية : مصطلح البنية يستعمل كثيرا في العصر الحديث ، وهو في أصله في اللسان من بني ( لسان العرب ) ويقابلstructureالأوروبية ، والبنية والبنية : ما بنيته ، وهو البنى والبنى . وقال أبو إسحاق : إنما أراد بالبنى جمع بنية . وقال غيره : يقال بنية ، وهي مثل رشوة كأن البنية الهيئة التي بني عليها مثل المشية فالباء المكسورة أشد استعمالا من الباء المضمومة .
أما المعنى الحديثStructuralismeفهو يطلق على المذهب أو النهج الجديد في رؤية قضايا العلم واشكالاته من تلك التي تعالج الظواهر والرموز . فابتداء بألسنية اللغة ، امتدادا إلى الإناسة والتحليل النفسي ، انتهاء ببنى العلاقات الرياضية والمنطقية المعاصرة ، نهجت هذه العلوم نهجا بنيويا يرى تركيبات الظواهر أو العناصر في هذه العلوم مبنية على أسس