دائم خمودا ، وتجتمع الذات في ذلك السكون لأهل الجنة ، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار .
وهذا قريب من مذهب « جهم » ، إذ حكم بفناء الجنة والنار . وإنما التزم « أبو الهذيل » هذا المذهب ، لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم ، أن الحوادث التي لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها ، إذ كل واحدة لا تتناهى . قال :
( إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا ، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا ، بل يصيرون إلى سكون دائم ) . وكأنه طن أن ما يلزمه في الحركة ، لا يلزمه في السكون « 1 » .
السادسة : قوله في « الاستطاعة » ، إنها عرض من الأعراض ، غير السلامة والصحة ، وفرّق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح ، فقال : ( لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة ) .
« فالاستطاعة » معها في حال العقل ، وجوز ذلك في أفعال الجوارح ، وقال بتقدمها ، فيفعل بها في الحال الأولى ، وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية قال : « فحال يفعل » غير « حال فعل » .
ثم ما تولد من فعل العبد ، فهو فعله ، غير اللون والطعم والرائحة ، وكل ما لا يعرف كيفيته .
وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره ، عند اسماعه وتعليمه : ( إن اللّه تعالي يبدعهما فيه ، وليسا من أفعال العباد ) .
السابعة : قوله في « المكلف » ، قبل ورود السمع . بأنه يجب عليه أن يعرف اللّه تعالى بالدليل ، من غير خاطر ، وإن قصّر المعرفة استوجب العقوبة أبدا ، ويعلم أيضا ، حسن الحسن وقبح القبيح ، فيجب عليه الإقدام على « الحسن » ، كالصدق والعدل ، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور .
وقال أيضا بطاعات لا يراد بها اللّه ، ولا يقصد بها التقرب إليه ، كالقصد إلى النظر الأول ، والنظر الأول ، فإنه لم يعرف اللّه بعد ، والفعل عبادة .
هامش
( 1 ) الملل : ص 54 .