منه إلا الوسوسة ، التي لولاها لكان الكافر سيكفر أيضا ، لأنه لا يجوز أن يكفر عند ادعائه ، على وجه ، لولاه كان لا يكفر ، فلا يكون لوسوسته تأثير .
وهذا الموضوع هو الّذي خالف فيه « أبو هاشم » « أبا علي » ، فجوّز أن يجري دعاء الشيطان مجرى زيادة الشهوة ، في أنه لا يجب أن يمنع تعالى منه ، إذا علم أن عنده يكفر ، ولولاه لأمن ، لأنه جار مجرى التمكن ، خارج عن طريقة المفسدة .
بطلان طعنهم على القرآن بالتكرار والتطويل :
فأما ما يطعنون به ، مما يزعمون ، أنه تكرار في سورة
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ »
، فقد بيّن أبو علي ، أنه وإن أشبه في اللفظ التكرار ، فليس بتكرار ، لأن المراد به ، ألا أعبد ما تعبدون اليوم ، وأراد بقوله
« وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ »
، أنكم غير عابدين لما أعبد اليوم .
وأراد بقوله :
« وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ »
: أي أني عابد ما عبدتموه ، فيما سلف ، لأنهم كانوا يعبدون ، في المستقبل ، من الحجارة والأوثان ، غير ما عبدوه من قبل .
وعنى بقوله
« وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ »
، أنكم لا تعبدون ما أعبده بعد اليوم . . . وإنما أنزل عزّ وجل ذلك ، لأن قوما من الكفار ، قالوا لرسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم :
أعبد ما نعبده اليوم سنة ، حتى نعبد ما تعبده أنت اليوم سنة ، واعبد أنت ما نعبده سنة أخرى ، حتى نشترك في العبادة على هذا السبيل ، فأنزل اللّه تعالى هذه السورة ، جوابا لهم « 1 » .
وأما طعنهم على القرآن تطويلا : فقد بين « أبو هاشم » أن فصاحة الكلام ، إذا كانت تظهر بحسن معانيه ، واستقامتها ، والحاجة إليها ، فيجب أن يكون الكلام بحسبها ، فلا بد إذا اختلفت أطوال المعاني ، أن يختلف الكلام في
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حرير وابن أبي حاتم وابن الأبادى في المصاحف كذا في الدر المنثور في التفسير بالمأثور ( 6 / 404 )