تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
المقدّمة . والحاصل أنّ إيراد هذه الشبهة على المعاد الجسمانيّ لا وقع له ، فبم أوردوها عليه ؟ قلت : الحال كذلك ، إلّا أنّ من أوردها عليه كأنّه نظر إلى أنّ المعاد الجسمانيّ بظاهره لو كان حقّا ، لكان حقّا كما نطق به الشرع ، وقد نطق أيضا بوجود الجنّة والنار الآن ، وأنّهما تكونان جزاء للمكلّفين في القيامة ، وحيث كان وجودهما الآن ممّا يأباه العقل كما ذكر ، وكان يجب تأويله ، كذلك يجب تأويل ما دلّ على المعاد الجسمانيّ بالحمل على خلاف ظاهره . وبهذا يمكن أن يرجع ما ذكر من الشبهتين المذكورتين على وجود الجنّة والنار إلى الشبهة على المعاد الجسمانيّ أيضا ، فتدبّر . وهذا الذي ذكرناه إنّما هو تقرير الشبهة التي أوردها المنكر للمعاد الجسمانيّ عليه . وأمّا الجواب عنها ، فبأن يقال : لا امتناع في أن يكون مكان الجنّة محدّب الفلك الثامن الذي يسمّى عند الحكماء بفلك البروج ، وفي لسان الشرع بالكرسيّ ، ومقعّر الفلك التاسع الذي يسمّى عند الحكماء بالفلك الأطلس ومحدّد الجهات ، وفي لسان الشرع بالعرش الأعظم ، أي فيما بين الفلكين كما قيل : إنّ أرض الجنّة الكرسيّ ، وسقفها عرش الرحمن . ويمكن حمل قوله تعالى :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) )
« 1 » ، عليه أيضا ، كما قال بعض المفسّرين كالشيخ الطبرسيّ رحمه اللّه في تفسيره : « إنّ سدرة المنتهى هي شجرة نبق عن يمين العرش فوق السماء السابعة ، ثمرها كقلال هجر ، وورقها كآذان الفيول ، يسير الراكب في ظلّها سبعين عاما ، والمنتهى موضع الانتهاء لم يجاوزها أحد ، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ، ولا يعلم أحد ما وراءها . وقيل : ينتهي إليها أرواح الشهداء . وقيل : هي شجرة طوبى كأنّها في منتهى الجنّة ، عندها جنّة المأوى ، وهي جنّة الخلد يصير إليها المتّقون . وقيل : يأوي إليها أرواح الشهداء » « 2 » ، انتهى . ووجه الحمل ظاهر ، إذا حمل قوله : « عن يمين العرش » على يمين مقعّر العرش ،
هامش
( 1 ) - النجم ( 53 ) : 13 - 15 . ( 2 ) - راجع مجمع البيان 9 / 175 .