تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
الحاصلة لها في ضمن البدن الأوّل ، لأنّ تخصّص كلّ قوة من تلك القوى وتميّزها وتعيّنها إنّما هو بمادة بدنيّة مشخّصة متخصّصة وبآلة بدنيّة متعيّنة ، والمفروض أنّ البدن الثاني غير البدن الأوّل ذاتا ، فتكون القوى الثانيّة أيضا مغايرة للقوى الأولى ذاتا ، كان إدراك القوى الثّانية للذّات والآلام الحسّيّتين الذي هو بالنسبة إليها ثواب وعقاب ، وعدم إدراك القوى الأولى لذلك منافيا للحكمة بل ظلما ، لأنّ ما فعلت الأفعال التي هي منشأ للثواب والعقاب لم يرد عليها ثواب ولا عقاب ، وما لم تفعل ورد عليها ذلك . وأيضا يلزم أن يكون إدراك النفس بتوسّط القوى الثانيّة للثواب والعقاب الحسّيّين منافيا للحكمة أيضا ، كما عرفت . فبقي أن يكون عود النفس في القيامة في ضمن البدن الأوّل بعينه ، حتّى لا يلزم تلك المحالات ، وهو المطلوب . ولذلك قال بعض أهل التحقيق « 1 » : « إنّ الحكمة تقتضي بعث الإنسان لجميع قواه وجوارحه ، وإنّ لكلّ قوّة من قوى النفس كمالا يخصّها ولذّة وألما يناسبها ، وبحسب كلّ ما كسبته يلزم لها في الطبيعة الجزاء كما قرّرته الحكماء من إثبات الغايات الطبيعيّة لجميع المبادئ والقوى عالية كانت أم سافلة
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ) )
وإنّ من تحقّق هذا تحقّق لزوم عود الكلّ ولم يشتبه عليه ذلك ، وهذا مقتضى الحكمة والوفاء بالوعد والوعيد ولزوم الجزاء على ما يراه الحكماء من لزوم المكافاة في الطبيعة والمجازاة ، لامتناع ساكن في الخليفة ، معطّل في الطبيعة » انتهى كلامه . ومنها ، أن يقال : إذا كانت الأنفس الإنسانيّة التي هي متّفقة في المعنى ، إنّما يكون تكثّرها وتمايزها بالأبدان الخاصّة ، وتشخّصها بالهيئات البدنيّة المخصوصة ، فلو كانت في القيامة تعاد في ضمن بدن مغاير للأوّل ذاتا لم يكن تلك النفس تلك النفس الأولى المبتداة الفاعلة للخيرات والشّرور ، فلم يكن ورود الثواب والعقاب عليها من مقتضى الحكمة ، بل منافيا لها وظلما . تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
هامش
( 1 ) - هو صدر المتألّهين في الشواهد الربوبيّة / 277 - 278 .