تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
عبثا ، وهو محال على اللّه تعالى . وإمّا أن يكون لحاجة له إليه ، فيلزم أن يكون هو تعالى في مرتبة إيجاده لهما ناقصا ، ويصير بعد اتّصافه بهما تامّا ، وهذا أيضا محال . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . فبيّن عليه السلام أنّه تعالى لا يعرف بكيفوفيّة ولا بأينونيّة ، وزاد عليه بأنّه لا يدرك بحاسّة ، أي بحاسّة من الحواسّ الخمس الظّاهرة ، وكذا بحاسّة من الحواسّ الباطنة ، نظرا إلى ظاهر إطلاق العبارة ، أو لا يدرك بحاسة البصر ، أي لا يدرك ببصر من الأبصار ، نظرا إلى ما فهمه السّائل منه فيما رواه الشيخ الطبرسيّ ، حيث روى بعد ذلك : « قال الرّجل : فلم لا تدركه حاسّة البصر ؟ » وقد ذكر المحشّي النائينيّ ( ره ) « 1 » : « أنّ الإحساس في اللغة : الإبصار ، وقد نقله عن صاحب الغريبين قال : قال في الغريبين في قوله تعالى
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ
« 2 » ، أي علمه ، وهو في اللغة أبصره ، ثمّ وضع موضع العلم والوجود ، ومنه قوله تعالى
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ
« 3 » أي هل ترى ، يقال : هل أحسست فلانا ؟ أي هل رأيته ؟ » - انتهى - . ومنه يعلم أنّه يمكن حمل قوله عليه السلام « ولا يدرك بالحواسّ » على أنّه لا يدرك بالقوى الدّرّاكة مطلقا ، لا بالحواسّ الظاهرة ولا بالحواسّ الباطنة ولا بالقوّة العقليّة . وبالجملة ، فهذا القول منه عليه السلام ، سواء حمل على الأوّل بناء على ظاهر العبارة ، أو على الثاني بناء على أنّ المراد بنفي الإدراك بالبصر نفي إدراكه بغيره من الحواسّ أيضا ، وإنّما ذكره بخصوصه ، لأنّه أظهرها وألطفها ، أو على الثالث بناء على تعميم الإحساس والحواسّ ، كما يستفاد من كلام صاحب الغريبين . إمّا بيان حكم آخر برأسه ، غير عدم المعرفة بالكيفوفيّة والأينونية ، أو حكم متفرّع على السّابق ، لأنّ كلّ مدرك بالحواسّ لا يخلو عن كيفوفيّة وأينونيّة ولو بوجه ، فما كان قد عرى عن ذلك من كلّ وجه ، فهو لا
هامش
( 1 ) - الحاشية على الكافي للنائيني ، مخطوط . ( 2 ) - آل عمران / 52 . ( 3 ) - مريم / 98 .