تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
الأشياء بأشباحها في الذهن . وقد بيّنا بطلان هذا المذهب ، وبيّنا أنّ تلك الصورة عبارة عن ماهيّات الأشياء بأعيانها في الذهن مجرّدة عن المادة وعن علائقها ، فتذكّر . ومثل ما قيل : سلّمنا كون تلك الصورة مساوية للمعلوم في تمام الماهيّة ، لكن لا نسلّم أنّ اتّصاف النّفس الناطقة بهذه العوارض يقتضي اتّصاف ما يحلّ فيها بها ، فإنّ اتّصاف المحلّ بصفة ، لا يوجب اتّصاف ما حلّ فيه بها . ألا يرى أنّ الجسم يتّصف بالبياض ، مع أنّ الحركة الحالّة فيه لا تتّصف به ؟ سلّمناه ، لكنّ اتّصاف الصورة الحالّة في النفس بهذه العوارض من قبل محلّها ، لا ينافي تجرّدها عنها بحسب ذاتها . وبعبارة أخرى ، يمكن أن تكون تلك الصورة بالذّات مجرّدة ، وبتوسّط محلّها مادّيّة . أي أن يكون كونها مادّيّة بالعرض ، كما في الطبيعة من حيث هي ، فإنّ طبيعة الإنسان مثلا من حيث هي هي مجرّدة ، وهي من حيث وجودها في ضمن الأشخاص الخارجيّة مادّيّة . ويؤيّد ذلك أنّه إذا جاز أن يكون الشيء بحسب وجوده العينيّ جوهرا ، وبحسب وجوده الذّهنيّ عرضا كما ذكرت ، فلم لا يجوز أن يكون الشيء بحسب ذاته من حيث هي ، أو بحسب ذاته من حيث الوجود العينيّ مجرّدا عن المادّة وتوابعها ، وبحسب وجوده الذّهنيّ مادّيّا محفوفا بها . فإنّ هذا الاعتراض أيضا مندفع . أمّا ما ذكره أوّلا ، فلأنّ اتّصاف الحالّ بصفة المحلّ إذا كان من شأن ذلك الحالّ أن يتّصف بتلك الصّفة أو بخلافها بالذات أو بالعرض ممّا لا يمكن إنكاره . وأمّا عدم اتّصاف الحركة بالبياض الذي موضعه الجسم الذي هو محلّها ، فإنّما هو لأجل أن ليس من شأن الحركة الاتّصاف بالبياض ولا بخلافه ، لا بالذّات ولا بالعرض . وأمّا ما ذكره أخيرا ، فلأنّا قد بيّنّا فيما سبق ، أنّ تجرّد الصّورة العقليّة من غير الذّوات المفارقة إنّما هو في العقل ، باعتبار تجريد العقل تلك الماهيّة عن المادّة وعن عوارضها ، وأنّها بحسب الوجود الخارجيّ مادّيّة ومحفوفة بالعوارض المادّيّة ، فهي بحسب وجودها الذّهنيّ ، وكذا من حيث ذاتها من حيث هي التي هي بهذا الاعتبار حاصلة في العقل ،