تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
من حيث وجودها العقليّ مجرّدة عن المادّة وعلائقها ، تبيّنت أنّ النّفس الناطقة الإنسانيّة التي هي مدركة بذاتها للصّور العقليّة المجرّدة ، وهي حاصلة فيها بذاتها ، يجب أن تكون هي أيضا مجرّدة عنها مثلها . إذ لو لم تكن هي مجرّدة مثلها ، بل كانت مادّيّة محفوفة بعوارض مادّيّة ، ولا أقلّ بوضع معيّن ، للزم أن تكون الصّورة العقليّة الحالّة فيها بذاتها العارضة لها غير مجرّدة أيضا ، لأنّ اختصاص المحلّ بالمقدار المعيّن والأين المعيّن والكمّ المعيّن والكيف المعيّن والوضع المعيّن يوجب اختصاص الحالّ فيه بذلك ، ولا أقلّ باختصاصه بالوضع المعيّن . هذا خلف وبعبارة أخرى : الصّورة العقليّة ليست بذات وضع ، وكلّ حالّ في مادّيّ ، جسم أو جسمانيّ ، فهو ذو وضع ، فليس محلّها - أي النّفس - مادّية ، بل مجرّدة عنها مثلها . وبما ذكرنا تمّ بيان أنّ النّفس الإنسانيّة الناطقة - من حيث هي - مدركة للمعاني العقليّة ، مجرّدة عن المادّة وعن توابعها ، مثل تلك الصّورة العقليّة ، إلّا أنّ تلك الصّور مجرّدة قائمة بغيرها هو النّفس ، والنّفس مجرّدة قائمة بذاتها . واتّضح البرهان على ذلك ، وهو أيضا من مقاصد الباب ، بل ما ينتهي إليه المقاصد الأخر . ولا يخفى عليك أنّ هذا البرهان - على التّقرير الذي قرّرناه - برهان واضح تامّ لا يرد عليه شيء من الاعتراضات التي أوردوها عليه أو يمكن أن تورد .

في الإشارة إلى دفع شكوك وأوهام ربّما يمكن أن تورد على دليل تجرّد النّفس الإنسانيّة الناطقة

مثل ما قيل : إنّ هذا البرهان مبنيّ على أنّ العلم والإدراك إنّما هو بار تسام صورة المعلوم والمدرك في ذات العالم والمدرك ، وهذا غير مسلّم ، لجواز أن يكون بانكشاف الأشياء على النّفس من دون ارتسام صورة فيها ، بل في مجرّد آخر ، فيلاحظها النّفس من هناك ، كما تدرك ما انتقش من الجزئيّات في آلاتها . بل يجوز أن يكون العلم مجرّد انكشاف ، من غير أن يرتسم صورة شيء في شيء أصلا .
منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 216 | ملا نعيما العرفي الطالقاني