تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
منها : أنّ المعقول من الجواهر المفارقة إنّما يكون ماهيّاتها المجرّدة عن الوجود العينيّ وعن المادّة وعلائقها . ومنها : أنّ المعقول من الأشياء المادّية التي قيامها بالمادّة بحسب الوجود العينيّ كذلك أيضا ، سواء كانت تلك الأشياء بحسب الحدّ أيضا متعلّقة بالمادّة ، كالصّور الطبيعيّة ، أو لم تكن بحسب الحدود متعلّقة بها ، كالتّعليميّات ، مثل التقعير والتربيع والتثليث وأمثالها ممّا هو بحسب الحدّ يمكن أن يتصوّر مجرّدا عن المادّة ، لكنّه بحسب الوجود الخارجيّ متعلّق بها . وأنّ القول بأنّ الصّور الطبيعيّة والتعليميّات يجوز أن تقوم مفارقة بذاتها ، وأنّ العقل ينالها مجرّدة من غير أن يتعرّض لمادّة تقارنها ، حيث إنّ العقل لا ينال إلّا المفارقات عن المادّة - وهي بهذا الاعتبار معلومة - باطل ، وهذا القول هو ما حكاه في « الشفاء » عن أقوام من الأوائل ؛ قال « 1 » : « وظنّ « 2 » قوم أنّ القسمة توجب وجود شيء في كلّ شيء ، كإنسانين في معنى الإنسانيّة ، إنسان فاسد محسوس ، وإنسان معقول مفارق أبديّ لا يتغيّر ، وجعلوا لكلّ واحد منهما وجودا ، فسمّوا الموجود المفارق موجودا « 3 » مثاليّا ، وجعلوا لكلّ واحد من الأمور الطبيعيّة صورة مفارقة هي المعقولة ، وإيّاها يتلقّى العقل ، إذ كان المعقول أمرا لا يفسد ، وكلّ محسوس من هذه فهو فاسد . وجعلوا العلوم والبراهين تنحو نحو هذه وإيّاها تتناول . وكان المعروف بأفلاطون ومعلّمه سقراط يفرطان في هذا الرأي ، ويقولون « 4 » : إنّ للإنسانيّة معنى واحدا موجودا تشترك « 5 » فيه الأشخاص وتبقى « 6 » مع بطلانها ، وليس هو المعنى المحسوس المتكثّر الفاسد ، فهو إذن المعنى المعقول المفارق . وقوم آخرون لم يروا لهذه الصّورة مفارقة بل لمباديها ، وجعلوا الأمور التعليميّة التي تفارق بالحدود مستحقّة للمفارقة بالوجود ، وجعلوا ما لا يفارق بالحدّ من الصّور الطبيعيّة لا يفارق بالذّات ، وجعلوا الصّور الطبيعيّة إنّما تتولّد بمقارنة تلك الصّور التعليميّة للمادة ،
هامش
( 1 ) - الشفاء - الإلهيّات / 310 و 311 . ( 2 ) في المصدر : فظنّ . . . ( 3 ) وجودا مثاليّا . . . ( 4 ) ويقولان . . . ( 5 ) يشترك . . . ( 6 ) ويبقى .
منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 212 | ملا نعيما العرفي الطالقاني