تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
معلومة - كما سيأتي الفرق بينهما - فهي بهذا الاعتبار حاصلة بحقيقتها فيه ، إذ ذلك الحصول نوع وجود خارجيّ لها ، كما أشرنا إليه وسنزيده بيانا . وإن كانت خارجة عن ذات المدرك ، كالصورة الحاصلة التي قلنا إنّها ماهيّات الأشياء من حيث إنّها معلومات ومدركات ، فهي عند حصولها في المدرك مجردة عن الوجود الخارجيّ ، سواء كانت صورا منتزعة من الخارج إن كان الإدراك مستفادا من خارج ؛ أو صورا حصلت عند المدرك ابتداء ، سواء كانت الخارجيّة مستفادة منها أو لم تكن ، وسواء كان ما يفرض خارجيّا ممتنع الوجود في الخارج أو ممكن الوجود فيه ، واقعا في الخارج بالفعل أو غير واقع بل معدوما فيه ، ففي كلّ تلك الصور فالماهيّة الحاصلة في الذهن ماهيّة مجرّدة عن الوجود الخارجيّ البتّة ، إلّا أنّ هذا التجريد يكون على وجهين ، ففي بعضها يكون التجريد بأن يكون هناك وجود خارجيّ ، ويجرّد العقل تلك الماهيّة عنه على الأنحاء المعتبرة في كلّ إدراك ، ادراك ؛ وفي بعضها لا يكون وجود خارجيّ هناك ، فيدرك الذهن تلك الماهيّة كما هي عينه مجرّدة . ثمّ إنّه ، كما أنّ التجريد عن الوجود الخارجيّ معتبر في تلك الماهيّة الحاصلة ، كذلك التجريد عن الغواشي الماديّة التابعة للوجود الخارجيّ في المادّيّات معتبر أيضا فيها ، إلّا أنّه يكون على وجهين أيضا : فتارة يكون بأن يكون هناك غواش مادّية فيجرّد العقل تلك الماهيّة عنها ، فيدركها تجريدا هو بحسب كلّ إدراك ، إدراك ، كما في المادّيّات ، أعمّ من أن تكون تلك المادّيّات في أنفسها مادّيّة أو غير مادّيّة ، لكن عرض لها أن تكون مادّيّة . وتارة يكون بأن لا تكون هناك غواش مادّيّة أصلا ، كما في المفارقات من العقول والنفوس ، فيدركها العقل على ما هي عليه مجرّدة عن الغواشي المادّيّة . وبالجملة فليس هناك تجريد المعقول ولا عمل تعمله النفس في جانب المعقول حتّى تعقله . بل إن كان هناك عمل فهو في جانب العاقل ، كالفكر حتّى يعقله ، وإن كان يجرّدها أيضا عن الوجود الخارجيّ حتّى يدركها . وحيث عرفت ذلك وعرفت أنّ إدراك الأشياء إنّما يكون بحصول ماهيّاتها في الذهن مجرّدة عن الوجود الخارجيّ العينيّ ، عرفت أنّ إدراك ذات الواجب