الخطّاطين في الخط حتى يحكم بتفضيل بعض خطوطهم على البعض وبما يستحقّه كلّ واحد منهم من الأجرة على ما كتبه ويتقارب ما يتقارب ويتفاوت ما يتفاوت منها ، وكذا القول في جميع الصناعات . فأمّا ما ذكره السائل من حكمه فيهم وقطعه للمنازعات والخصومات الواقعة بينهم في أعمالهم وصناعاتهم ، فانّه من أمور الدين ، لأنّه انّما يحكم فيهم بحكم اللّه الذي يعلمه في مثل تلك الحوادث ، وإقامة حكم اللّه من أمور الدين ، فأمّا تفضيل عمل البعض على البعض وتقديره الأجرة في أعمالهم ، فانّه يرجع في أمثال ذلك إلى أهل الخبرة ، ولا عليه أكثر من ذلك
فإن قيل : أليس بسياسة يأمن الطرق ، ويكثر قدوم القوافل على أهل البلاد وجلب الأمتعة إليهم ، فيكثر منافعهم ، ويسهل عليهم طرق معايشهم ، وكلّ هذا من أمور الدنيا ومنافعها ، وكذا يرتفع بالخوف منه ومن سياسة الهرج والمرج والتباغي والتظالم من بين الرعيّة فيعيشون في عافية عفوا صفوا ، وذلك أيضا من المنافع المعجّلة الدنياوية ؟ .
قلنا : بلى بسياسته يحصل جميع هذه المنافع المعجّلة والأغراض الدنيوية ، ولكن تبعا لما هو الغرض الأصلي في انتصابه وهو ارتفاع الظلم والفساد والتباغي وامتداد أيدي الظلمة الأقوياء إلى أموال الضعفاء المظلومين ونفوسهم ، أو تقليل هذه القبائح والمناكير والبعد منها خوفا من تأديبه وسياسته ، وكلّ ذلك من أمور الدين ، ألا ترى أنّ وجه وجوب معرفة اللّه تعالى عند القوم انّما هو كونها وصلة إلى العلم بالثواب والعقاب الذي هو لطف للمكلّفين في مثل ما ذكرناه من ارتفاع القبائح عنده أو تقليلها أو البعد منها وأداء الأمانات والواجبات أو تكثيرها والقرب منها فيعد ذلك من أمور الدنيا ، فإن كان معارف التوحيد والعدل من الأمور الدنيوية ، فيا ليت شعري ما الأمور الدينيّة ! بلى يحصل عند هذه المعارف أيضا المصالح المعجّلة المشار إليها في السؤال ،
المنقذ من التقليد — صفحة 237
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٣٧