وإنّما اختلفوا في أنّها هل هي آية من الفاتحة أو آية من كلّ سورة أو أنزلت ليبتدأ بها تبرّكا واستفتاحا في كلّ أمر ذي بال . وهذا الاختلاف فيها بعد الاتفاق على أنّها آية من القرآن لا يقتضي ما رامه المخالف .
فإن قيل : أليس قد روي بعض الصحابة أنّه قال : كان يقرأ في القرآن :
« الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموها البتة » « 1 » ، وقوله : « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما واديا ثالثا » « 2 » ؟
قلنا : هذه أخبار آحاد لم تقم بها حجّة فلا يصحّ القدح بها في الأمور المعلومة . وعلى أنّ المروي في ذلك أنّه كان فيما أنزل اللّه : « الشيخ والشيخة » و « لو كان لابن آدم واديان من ذهب » ، وليس فيه أنّه أنزل قرآنا . ثمّ ولو كان قرآنا أيضا لما ضرّنا ، لأنّه كان قرآنا ، ثمّ نسخه اللّه تعالى ، أي تلاوته ، على ما قال تعالى :
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها »
« 3 » .
ومنها : أن طعنوا فيه بأن فيه خطاء من جهة العربيّة أو فيه تكرارا ، ثمّ وقع فيه ما لا يعلم له معنى ، كالحروف المقطعة في أوائل السور ، أو فيه آيات متشابهات أو فيه تناقض ومن طعن فيه بأمثال هذا فقد أتى في غيه وضلاله من قبل نفسه ، لجهله بمخاطبات العرب وتعارفهم وتوسّعهم في كلامهم ، أو علم ذلك ولكن تعمّد الطعن لشكّه في نبوّة محمد صلى اللّه عليه وآله .
والجواب عن هذا الطعن على الجملة ، ما أورده الشيخ أبو الهذيل على من سأله عن بعض ما يتشابه معناه من القرآن ويتوهم فيه التناقض . وهو قوله له :
« أو ما علمت أنّ العرب كانوا أشدّ عداوة له منهم ؟ » قال : « نعم » . قال :
« وقد علمت أنّهم كانوا أعرف بما يتناقض من الكلام من هؤلاء الجهّال الطاعنين في القرآن » . فقال : « نعم » . قال : « وقد علمت أنّهم كانوا أحرص
هامش
( 1 ) كنز العمال : ج 2 ص 567 ح 4743 وح 4742 .
( 2 ) كنز العمال : ج 2 ص 567 ح 4743 وح 4742 .
( 3 ) البقرة : 106 .