النبيّ عليه السلام فلا يخلو جميع ذلك من أحد أمرين .
أحدهما أنّ جميع ذلك يتفق في النبيّ الأول كما اتفق في نبيّنا عليه السلام ولم يتفق ذلك ولكن المراد بلفظ الماضي في جميع ذلك الاستقبال .
والأوّل باطل من وجهين :
أحدهما : أن العادة مانعة من أن يتفق لنفسين من الوقائع والقصص والأصحاب والهجرة والأحكام والمحاورات أمور متساوية متماثلة متوازنة « 1 » ، وأن يكون في أصحاب كلّ واحد منهما مهاجرون وأنصار ومسلمون ومنافقون .
والعلم بامتناع ذلك من حيث العادة ، كالعلم بامتناع توارد الشعراء في قصيدة واحدة ومعنى واحد وعروض واحد ، واتفاق الناس على زيّ واحد وطعام واحد ، إذ ليس أحدهما أبعد من الآخر .
والوجه الثاني : أنّه لو اتفق للنبيّ الأول جميع ذلك فيما مضى لكان يجب أن يظهر وينتشر ، ولا يخفى حال من هو بهذه الأوصاف كلّها على من يأتي بعده ولا يشكل الأمر عليه فيه ، ولو ظهر لكان ذلك نقضا لما هو مبنى هذا السؤال .
وهو أنّ أمر ذلك النبيّ الأوّل لم يظهر ولم ينتشر خبره . وبعد ، فلو ظهر لوجب أن يوافقه عليه أعداؤه ، فانّهم كانوا بذلك أعرف وإليه أسرع .
والقسم الثاني ، وهو أن يكون المراد بلفظ الماضي في جميع ذلك المستقبل ، أيضا باطل من وجهين .
أحدهما : أنّ لفظ الماضي إذا أريد به المستقبل كان مجازا .
وثانيهما : أنّ جميع ما ذكرناه وتلوناه من الآيات دلالة على تعظيم من ظهرت على يده وتصديق دعوته ونبوّته . ألا ترى أنّه تعالى وبّخ المولّين عنه يوم أحد وحنين ، وشهد له بالرسالة بقوله :
« وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ »
« 2 » ، وقوله :
هامش
( 1 ) م : متوافقة .
( 2 ) آل عمران : 153 .