القول في الصلاة إلى جهة الكعبة . فالرجوع في جميع ذلك إلى استفتاء القلب والأخذ بما يقع فيه ، ولا يلتفت إلى التجويز المشار إليه ، هذا هو حكم العقل والشرع ، إذ تحصيل اليقين في أمثال ذلك غير ممكن لنا .
ثم يقال لهم : ما تقولون لو علمتم أنّ ما تأخذونه على وجه الصدقة مغصوب ؟
أيحلّ لكم أخذه أم لا يحلّ إلّا إذا غلب في ظنّكم انّه ملك المصدّق به ؟
إن قالوا بالأوّل ، قلنا : كيف يحلّ لكم أخذه وأنتم تعلمون انّه ملك غيره وأنّ التصدّق به محظور ؟ ، ولو جوزتم ذلك فجوّزوا السرقة وقطع الطريق . فما في أيدي الناس حلال لكم أخذه بأي وجه توصّلتم إلى أخذه محرّما كان أو غير محرّم .
وإن قالوا بالثاني ، وهو أن يغلب على ظنهم « 1 » حلّه وأنّه ملك المتصدّق به ، قلنا : فاقبلوا منّا مثله في تمييز الحلال من الحرام ، ولا توجبوا تحريم الاكتساب .
والوجه الثاني ممّا تعلّقوا به : أن قالوا في الاكتساب تقوية الظلمة بما يأخذونه من الضرائب والأعشار والأخرجة وتقويتهم ومئونتهم محرّمة محظورة .
والجواب عن ذلك : أن لا نقصد بالمكاسب تقويتهم ومعونتهم ، وإنما نقصد به انتفاعنا ، ولا يؤاخذ الانسان بما لم يقصده وما يأخذونه بمنزلة اختطاف الذئب الشاة من قنية الغنم في أنّه لا يحرم اقتناؤها .
ثمّ يقال لهم انّ الظلمة يتمكّنون من أخذ ما تأخذونه على جهة الصدقة منكم ظلما ، فيجب عليكم الامتناع من أخذ الصدقات ، لأنّ في ذلك تقوية للظلمة ومعونة لهم .
واعلم أنّ هؤلاء الكسلة جعلوا ترك التكسّب طريقا إلى التكسّب ، كما قيل : ترك الدنيا للدنيا . فكيف يحرّمون التكسّب مع انّهم يتوصّلون بترك التكسّب من طرقه المعروفة ، كالتجارة والصناعة والوساطة وغيرها ، إلى التكسب
هامش
( 1 ) م : ظنّه .