باستثناء نصوص أصل الوحي آحاد أو مشهورة لم تبلغ درجة التواتر .
وكلها وضعت في عصور متأخرة ، مستمدة من الخيال الشعبي وقصص الابطال . والحقيقة أن موضوع النبوة هو عالم الانس وليس عالم الجن ، وعالم البشر وليس عالم الملائكة ، وعالم الشهادة وليس عالم الغيب . والملائكة من السمعيات الخالصة في حين أن موضوع النبوة من العقليات أي المصالح العامة . وليس باثبات الملائكة تقام مصالح الناس وليس بانكارها تنهدم وتعطل . فهي موضوع نظري خالص أقرب إلى القصص وشحذ الهمم وتقوية المعنويات . والايمان بها موجود في كل الديانات وليس منها ما يخص خاتم النبوة وآخر مرحلة تطور الوحي .
وهي في النهاية موضوعات ثانوية لوظائف ثانوية ، وسائل وطرق وليست موضوعات وغايات . والله قادر على الحديث مع الأنبياء وعلى قبض الأرواح وعلى تقدير الارزاق وعلى بعث الموتى بلا واسطة الملائكة وهو قادر على معرفة أفعال العباد بلا كتبة أو حفظة . كما أنه قادر على تسيير أمور الجنة بلا رضوان وتدبير شؤون النار بلا مالك . ولا يحتاج إلى حملة عرش من تحته أو من حوله . فلا يمكن التضحية بالتنزيه من أجل التشبيه أو بالعقليات من أجل السمعيات .
والحقيقة أن « الملائكة » في أصل الوحي ليسوا أساسا موضوعا للايمان بل وسيلة لرد الانسان إلى نفسه وارجاع البشر إلى ذواتهم ببيان الفرق بين الاستحالة والامكان ، بين اللامعقول والمعقول « 351 » .
هامش
( 351 ) ذكر لفظ « الملائكة » في القرآن 93 مرة ، 13 مرة مفردا ، 2 مرة مثنى ، 78 مرة جمعا ، منها 5 مرات مضافة إلى ضمير الملكية « ملائكته » . ولم تذكر من هذه المرات كلها كإحدى قواعد الايمان الا ثلاث مرات مرتين للايمانوَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ( 2 : 177 ) ،كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ( 2 : 85 ) ، ومرة واحدة ضد الكفروَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً( 4 : 136 ) ، وفي كثير من الاستعمالات ترد الملائكة إلى حجمها الطبيعي ودورها في السجود إلى الانسان وإلى اللهوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ