شبهة أخرى لهم
قالوا : لا بد من إمام معصوم يحفظ الشرع ويقوم به ؛ لأنه لا بد فيه من حافظ وليس إلا الإمام على ما نقول ، أو الأمة على ما تقولون . وقد علمنا أن الأمة لا يجوز ذلك فيها ؛ لأن كل واحد منها يجوز عليه الغلط والسهو ، وجميعها ليس إلا كل واحد منها ، فيجب جواز الغلط على الجميع ، وإلا انتقض القول بجواز ذلك على آحادها .
وإذا لم يصح كون الشريعة محفوظة بالأمة فلا بد من / إثبات معصوم في كل زمان يحفظها ويقوم بها ، على ما نقول به .
واعلم أنا قد بينا في باب الإجماع من هذا الكتاب أنه لا يمتنع جواز الخطأ على كل واحد من الجماعة ، ويؤمن ذلك في جميعهم ، فكما لا يمتنع أن يؤمن على زيد الخطأ في شيء دون شيء بحسب الدليل ، أو في حال دون حال ، فلا يتناقض ذلك ، فكذلك ما ذكرناه . وكما أن النبي صلى اللّه عليه لو قال في عشرة من المكلفين : إن كل واحد منهم يجوز أن يريد القبيح ، ولا يجوز اجتماعهم على ذلك لم يمتنع . وبينا أن التجويز مفارق للإثبات والصحة ، ولا يجوز أن يصح من كل واحد منهم الخطأ بمعنى القدرة . ولا يصح في سائرهم لأن ذلك يتناقض . وكذلك فلا يجوز أن يثبت لكل واحد منهم صفة ولا نثبت لجميعهم ، لأن ذلك يتناقض .
فأما التجويز فهو بمعنى الشك ، وغير ممتنع أن يشك فيما يأتيه كل واحد منهم إذا انفرد بفقد الدليل ، ولا يشك فيما اجتمعوا عليه ؛ بل يعلم صوابا لحصول الدليل .
فإذا لم يمتنع أن نعلم بالدليل أن النبي صلى اللّه عليه لا يجوز أن يسهو فيما يؤدى عن اللّه ، ويجوز ذلك فيه فيما لا يؤديه ، ولا يجوز عليه السهو في البيان ، ويجوز في غيره .
ولا تجوز عليه الصغيرة فيما يتعلق بالأذى ، وقد تجوز في غيره ، إذا فرق الدليل بين ذلك فجوزنا عند عدمه ، ولم نجوز عند وجوده . فكذلك لا يمتنع مثله في الإجماع .
ولا يكاد يسلك هذه الطريقة في فساد كون الإجماع حجة من جهة العقل إلا من يقل