فإن قيل : كيف يصح القول بوجوب الإمام ، وقد علمتم أن الزمان قد خلا منه الآن ومن قبل ؟
قيل له « 1 » : لسنا نعنى بوجوب ذلك حصوله ، وإنما نريد أنه يلزم الناس التوصل إليه على شرائط : بأن يكون التمكن منه حاصلا ، ويكون هناك من يصلح لذلك ، ولا يكون هناك إمام ولا ولى عهد . فمتى كانت الخلال هذه ، وجب على الناس التوصل إلى إقامته ، فإن فعلوا فقد أدوا ما لزمهم ، وإلا فقد قصروا في الواجب .
فليس في فقد الإمام دلالة على زوال وجوبه ؛ لأن ذلك يكون لتقصيرهم ، وقد يكون للعذر من بعض الوجوه التي قدمناها .
فإن قال : أليس في الصحابة من مرت عليهم أوقات ولا إمام في حال الفترة ؟
وإن لم يكن تقصير ، فهلا دل ذاك على أنه غير واجب ؟
قيل له : إذا كان من لزمه إقامة الإمام متشاغلا بذلك أحدا في طريقه ، فليس هناك تقصير . وإذا جاز للعذر أن يبقوا زمانا ولا إمام ، فغير ممتنع أن تتأخر إقامتهم له في الأخذ في طريقة المشورة إلى ما شاكل ذلك . وإنما يلزم الإقدام عند خوف الفتنة من غير مشورة . وإلا فالأولى أن لا يقدم عليه مع عظم رتبته إلا مع المشورة ، فيزداد الرأي حالا بعد حال وإن وقع بعض التأخير . يبين ذلك أن هذا القدر من لتأخير لا يؤثر فيما له يقام الإمام ؛ لأن سائر ما يقوم به لو كان قد صار إماما كان يجوز أن يؤخره هذا القدر . وكذلك القول في نفس إقامة الإمام .
فإن قيل : ألستم تقولون : إن الأمة كما لا تجمع على الخطأ ، فكذلك لا تهمل القيام بالواجب ، وقد علمتم أن بعد الصحابة في أكثر الأوقات قد أهملت إقامة الإمام ؟
فلو كان ذلك واجبا لما صح إطباقها على إهماله .
هامش
( 1 ) الأولى حذف ( له ) .