وقد يجوز أيضا أن يستند لعلم ما فوض إليه من الأحكام بالرجوع إلى أخبار الآحاد ، أو إلى قول الأمة الّذي قد ثبت بالدليل أنه حجة .
وقد يجوز أن يكلف فيما فوض إليه ، أن ما علمه يحكم فيه وما لم يعلمه يتوقف فيه ؛ لأن جميع الّذي ذكرناه مما يجوز في العقل ورود التعبير به .
وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ، فمن أين أنه يجب أن يكون عالما بجميع الأحكام على السبيل الّذي تعلقوا به ؟
فإن قالوا : لو جاز في الإمام ما ذكرتم ، لجاز في الرسول مثله .
قيل له « 1 » : إنا نجيز من جهة العقل كثيرا مما ذكرنا ، بأن يتعبده تعالى في الأحكام بأن يجتهد أو بأن يحكم بما يقرر عنده في عقله ، أو بأن يتوقف في كثير من ذلك وما شاكله ، وإنما نمنعه الآن لا لأن في العقل كان لا يجوز التعبد به ، بل لأن لدلالة في الشرع دلت على خلافه ، كما أنا لا نمنع في مجوزات العقول أن تكون الصلاة في اليوم والليلة أقل من هذه الخمسة أو أكثر ، كما قد علمنا بالدليل الآن ، أنها خمسة في العدد ، فكذلك القول فيما ذكرناه ، وإذا كان هذا جوابنا في الرسول فلا تعلق لهم بما سألوا عنه .
ومتى أوردوا ما يمنع من كون الأحكام ثابتة بالاجتهاد ، وجعلوه نصرة لهم ، بينا فساد ذلك بما سلف في باب الاجتهاد .
وبعد فإنه يقال لهم : أيجب في العقل أن لا يقع من الإمام الخطأ فيما يقوم به ؛ فإن قالوا بذلك لزمهم أن يكون عالما بالأمور الباطنة مما يدفع إليه كما يكون عالما بالأحكام ؛ لأنهم إن لم يقولوا بذلك ، فلا بد من تجويزهم الغلط عليهم « 2 » ، بأن يعرف أن الحكم فيما تنازعوه إذا ثبت أن الحد واجب للّه ، ويشهد مع ذلك الشهود زورا وكذبا ، فيلزمه
هامش
( 1 ) الأولى ( لهم ) .
( 2 ) لعلها ( عليه ) .