فإن قال : فما قولكم في شكر المنعم ؟ أليس هو من الباب الّذي يجب أن يستمر في المكلف ، ولا يختلف ؟ . .
قيل له : قدمنا أنه ينقسم إلى أفعال القلوب ، وأفعال الجوارح ، وفي الوجهين جميعا لا يجب استمراره ، لأن المنعم قد يجوز أن يفسد نعمه ، ويحيطها بإساءة زائدة ، فيتغير عند ذلك حال الشكر الواجب ؛ فهو مخالف لمعرفة اللّه تعالى ، التي لا يجوز مع التكليف أن تختلف حالها ؛ وإنما الّذي يشاكل المعرفة من شكر المنعم معرفته بوجوبها ، على طريق الجملة ، فأما على جهة التفصيل فالحال ما ذكرناه . .
فإن قال : أليس ردّ الوديعة والإنصاف لا يتغير حالهما ما دام التكليف قائما ؟
فهلا ألحقتم ذلك بما تقدّم ؟ . .
قيل له : قد ألحقنا به العلم بوجوب ردّه ، وبوجوب الإنصاف ، على بعض الوجوه إذا كان من فعل العبد ، فأما الضروري فلا مدخل له في هذا الباب ؛ فأما نفس الفعل فقد يجوز أن يعرى المكلف من وجوبه بأن لا يستودع ، ومتى استودع فقد يخرج عن وجوب ذلك عليه ، بالرد وبغير ذلك ، وكذلك القول في سائر ما تورد من الواجبات ، لأنها لا تخرج عن هذه الطريقة .
واعلم . . أن سائر العبادات مما يتعلق بأفعال القلوب والجوارح على ضربين :
أحدهما : ينقطع استمراره لا إلى خلافه .
والآخر : يجوز أن ينقطع ذلك إلى خلافه ؛ فإن اشتركا جميعا . في جواز خروجهما عن الاستمرار والدوام ، فشكر المنعم لا يجوز أن ينقطع إلى خلافه ، لأنه إنما يخرج من أن يكون واجبا ، فأما أن يرد التعبد بكفر المنعم فذلك غير جائز ، وهو الّذي أردناه بخلافه ؛ وكذلك القول في الإنصاف ، وما شاكله ؛
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 86
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٦