فصل في الفرق بين ما يجوز أن يختلف حاله في الصلاح والفساد من الأفعال وبين ما لا يجوز ذلك فيه
اعلم : أن الّذي يستمر من الافعال على حد واحد هو ما يتعلق بأفعال القلوب دون أفعال الجوارح ، وهذا كمعرفة اللّه تعالى ، والمعرفة بوجوب الواجبات العقلية ، على شرط أو غير شرط ، على ما ترتب في العقول . وتوطين النفس على القيام بما يلزم إلى غير ذلك ؛ لأن هذه الأمور لا يجوز أن يكون المكلف عاقلا متمكنا « 1 » ، والموانع زائلة إلا وهي واجبة عليه ، وإنما خرج عن ذلك بسهو يلحق ، أو منع يعرض ، فأما مع التخلية والسلامة فذلك واجب ، ولا يرد التعبد بخلافه ، لأن الوجه الّذي عليه صار لطفا لا يتعلق بوقت ، دون وقت ؛ ولا بمكلف دون مكلف ، فما هذه حاله يجب أن يستمر ، ما دام التكليف قائما ، ولا تتغير حاله البتة ؛
وقد بينا صحة ذلك في باب « النظر والمعارف » ، حيث دللنا على أن معرفة اللّه بتوحيده ، وعدله لطف من فعل المكلف ، وأن أحوال المكلفين لا تختلف في الأوقات ، ولا بالأعيان ، وما اقتضى كون ذلك لطفا أن يفعله عن نظر يقتضي وجوب فعله ، على حد الابتداء ، حالا بعد حال ، إذا « 2 » كانت لا تبقى كما يقتضي وجوبها عليه عند تذكر الاستدلال ، في حال الانتباه من النوم ، وعود العقل ، ولا فرق بين وجوب معرفة اللّه في هذا الوجه ، وبين معرفة سائر ما يكلف عقلا ، مما طريقه الدليل العقلي ، في أن ذلك يجب أن يتمسك به دائما ، وكذلك فلا بدّ من
هامش
( 1 ) في « ط » ممكنا .
( 2 ) في « ص » وإذا .