فصل في أن مراد اللّه تعالى بالقرآن لا يختص بمعرفة الرسول ولا السلف
اعلم . . أن الّذي قدّمناه قد دل على أن الكلام نفسه هو الدال على المراد به ، إذا تكاملت شرائطه ؛ فإذا كان غير الرسول قد عرفه على شرائطه ، فيجب أن يمكنه أن يستدل بذلك على مراده تعالى ؛ كما يمكنه صلى اللّه عليه ؛ وإلا لزم من ذلك أن يصح اختصاصه ، صلى اللّه عليه ، بأن يستدل بالعقليات ، دون سائر المكلفين ؛ وكما يجب ذلك فقد يجب أن يكون حكم أهل سائر الأعصار ، إذا عرفوا اللغة ، وما ذكرناه من وجه دلالة الكلام ، أن تكون حالهم كحال الصحابة والتابعين ، وأن لا يكون « لابن عباس » ، و « مجاهد » ، وسائر المفسرين مزية على غيرهم ، في صحة الاستدلال ، وفي جواز أن يفسر القرآن ويتأوّله ؛ وإنما يتقدّم البعض على البعض ، من حيث يتقدّم في معرفة اللغة ، ويبرز فيها ، فيكون بهذه الطريقة أعرف ؛ وهذا إنما يتفاوت حال العلماء فيه ، إذا كان الكلام في المتشابه ، وما يلتبس ؛ فأما مثل قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
.
و
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
وقوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
وقوله
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
فلا يجوز أن تتفاوت أحوال أهل اللغة والعلماء بها ، في معرفته .
فإن قيل : ففد روى عن « أبى بكر » أنه قال : أي أرض تقلني ، وأي سماء تظلني ، إذا قلت في كتاب اللّه برأيي .