فإن قيل : فعلى أي وجه تدل هذه الأخبار على النبوة .
أتقولون : إن المعجزة منها هو نفس الخبر ؛ أو وجود المخبر ؟
فإن قلتم : إنه نفس الخبر فكيف يكون معجزا ، وهو متأت من غيره ! .
وإن قلتم : وجود المخبر ، فقد يتأتى ذلك أيضا ، من العباد ، وقد يكون متقدما للنبوة ، ومتأخرا عنها ؛ فكيف يجوز كونه دالا ؟
وإن قلتم : إن المعجز منه كونه صادقا فذلك مما لا ينفصل من الخبر ، ولا يعلمه السامع في حال سماعه ، فيستدل به على صدقه ! . .
وإن قلتم : للعلم بالمخبر عنه الّذي لم تجر العادة بمثله ، قيل لكم : وما السبيل للمستدل إلى أنه يعلم أنه ، صلى اللّه عليه ، مختص بهذا العلم ؟ أبا لخبر يستدل أم بغيره ؟ ؛ فإذا لم يمكن أن يستدل عليه بالخبر بصحة وجوده ، ممن ليس بعالم ؛ فيجب أن يعلم بغيره ؛ وإذا كان كذلك ، فذلك الغير هو المعجز ، دون الخبر ! ؛ على أن حال ذلك الغير كحال الخبر ، في هذا الباب ؛ وهذا يبطل كون الأخبار معجزة .
قيل له : إن المعجز من ذلك هو العلم بالغيب ؛ لأن العادة لم تجر بأنه يحصل للعبد ، كحصول سائر العلوم الضرورية ، ولا هو مما يمكنه أن يكتسبه بالأدلة ؛ لأنه لا دليل على ذلك ؛ فاختصاصه به يدل على النبوة ؛ وعلى أنه قد حصل بما خرج به عن العادة ؛ فإن شئت أن تجعل المعجز تمكنه من أن يصدق من الأمور المفصلة من الغيوب ، لأن العادة لم تجر بمثله ، وإن كان هذا التمكن يرجع إلى العلم الّذي ذكرناه ، والطريقة في أن هذا العلم لم تجر العادة بمثله ، كالطريقة فيما قدمناه ، من العلم الّذي معه يتمكن من الكلام ، الّذي يبلغ في الفصاحة رتبة القرآن .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 334
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٣٤