وأنه مراد بالخطاب ، فليس لأحد أن يقول إن الّذي ذكرتموه من أنه قد صح عن الرسول صلى اللّه عليه يدل على أن شريعته لازمة أبدا ، وأن الصلاح لا يتغير ، يوجب عليكم أن يقطع على أنه سيبقى ، لأن الّذي ذكرناه قد كشف عن فساد ذلك .
ثم يقال لليهود فيما أوردوه من السؤال الأوّل : أليس فيما نعرف من جهة موسى عليه السلام من العبادات ما يتغير بعذر ، وإن كان المكلف متمكنا ، لكنه إذا شق ذلك عليه زال التكليف ؟ فلا بدّ من نعم ؛ لأن هذه طريقتهم في كثير من العبادات ، فيقولون : إنه يسقط بالمرض كالصيام وغيره ؛ فيقال لهم : فلو كان الأمر قد اقتضى الدوام ، ما دام المكلف متمكنا ، لما صح ذلك ! ، وليس يمكنهم في هذا الوجه أن يقولوا : إن دليل العقل قد اقترن بالخطاب ، كما يقولون في العجز وغيره ، لأن مع المرض قد يصح التكليف ، وان عظمت المشقة .
قلنا لهم : فإذا صح ذلك فجوّزوا ورود النهى بعد الخطاب ، وأن يدل على مثل ما تدل عليه العلل والأمراض ، بل دلالته أقوى ، لأن معها قد يكون الفعل صلاحا ، ولا يكشف عن كونه فسادا ، والنهى يكشف عن ذلك ، فإذا دلا ، وحالهما ما ذكرناه ، على زوال الخطاب وانتهائه إلى هذه الغاية فكذلك القول في النهى .
فان قالوا : إنا لا « 1 » نجوّز النهى بدلا من المرض والعلل ، بل نجوّز أن ينهى تعالى ، على لسان نبي واحد ، عن امتثال ما أمر به من قبل .
قيل لهم : فلا فرق بين ورود الأمر والنهى على لسان نبيين ، وعلى لسان نبي واحد ، لأنهما يؤديان عن اللّه تعالى فقولهما وقول النبي الواحد كأنه قوله تعالى ؛ فقد بان بهذه الجملة فساد قولهم : إن نسخ الشريعة ، لا بدّ من أن يعود إلى أن
هامش
( 1 ) ساقطة من « ص » .