فصل في ذكر من يجوز عليه اللطف ومن لا يجوز ذلك عليه
اعلم أن اللطف عبارة عن حادث مخصوص يقتضي في المكلف اختيار إحداث أمر آخر مخصوص ، من غير أن يكون الأوّل تمكينا من الثاني أو وجها لحسنه أو الوجه « 1 » الّذي يوجد عليه . وقد علمنا أن الواجب فيه أيضا أن يكون كالطريق إلى استجلاب المنفعة ودفع المضرّة . فإذا ثبتت هذه الجملة فالواجب جوازه على كل حي تجوز عليه المنافع والمضار وتختلف دواعيه . فأما القديم سبحانه فذلك « 2 » يستحيل فيه ؛ لأن ما يختاره من الأفعال / يختاره لما هو عليه لا لحدوث حركة ، وكذلك فيما لا يختاره من القبائح إنما لا يختاره لما هو عليه لا لحدوث حادث . فقد صارت الحوادث غير مؤثرة فيما يفعله تعالى أو لا يفعله ، فيجب أن لا يجوز عليه اللطف تعالى عن ذلك .
فإن قال : أفليس المعلوم من حاله أنه يختار الفعل إذا كان فيه منفعة لحىّ ، ولولا ذلك كان لا يختاره ، فيجب أن يكون خلقه لذلك الحىّ لطفا فيما ذكرناه ؟
قيل له : إن خلق الحىّ معه يحسن « 3 » ما يختاره ؛ لا أنه يختار لأجله . وما هذا حاله لا يكون لطفا ؛ فلذلك لا تفترق الحال بين أن يفعله في حال خلق الحىّ أو بعده في الوجه الّذي بيناه .
فإن قال : أفليس إنما يختار التمكين ليقدّم التكليف ، ولولاه كان لا يختاره ؟
وكذلك الألطاف ؟ فهلا دل ذلك على جواز اللطف عليه ؟
هامش
( 1 ) في الأصل : للوجه .
( 2 ) في الأصل : « فلذلك » .
( 3 ) الأفضل « يحسن معه » .