فصل في بيان ما يلزم من العوض بقطع الآجال وإزالة الأملاك
قد بينا من قبل أن أجل المرء هو وقت الموت ، وأنه متى قيل في الحي إنه قطع أجله فهو على ضرب من التقدير والمجاز ، وبينا أنه لا يمتنع مع ذلك في القادر أن يقتل من لولا قتله لكان يعيش مدة من الزمان . وإذا صح ذلك ، فالواحد منا إذا قتل من هذا حاله ، صار قاطعا له بهذا القتل عن ضروب من المنافع لا يكون قاطعا عن مثلها بقتل من المعلوم أنه لولا قتله لكان يموت لا محالة .
فلا يمتنع أن يقال في هذا القتيل إنه يستحق به « 1 » من العوض أكثر مما يستحق بذلك القتل ؛ لأنه مع القتل قد قطع عنه منافع كانت معلومة فزالت بالقتل ، فيصير حال هذا القاتل كحال من يمنع غيره من تجارة ونيل منفعة تحبس لأجله ؛ لأن عوضه أكثر من عوض من أمسكه وآلمه من غير أن يفوته « 2 » بذلك ما ذكرناه .
وقد بينا فيما تقدّم أن ما يجرى مجرى الضرر لا معتبر في وجوب العوض فيه بالمعرفة والعلم ؛ فسواء علم المقتول أو لم يعلم ، فالحال لا تتغير .
فإن قال : أفليس ذلك يوجب استحقاق العوض لا بضرر ولا غم ؟
قيل له : إن تفويت النفع الّذي قد علم أنه يحصل بمنزلة المضرة ؛ وإذا أوجبنا العوض بالقتل وهو ضرر ، لكنا حكمنا بزيادة العوض فيه إذا كان يقطعه عن المنافع ؛ لأنه نفع أعظم في كونه مضرة ، فلا سؤال علينا في ذلك .
فإن قال : فلو أنه تعالى أمات زيدا من غير ألم لكنتم توجبون عليه العوض .
هامش
( 1 ) أي بالقتل .
( 2 ) في الأصل فوته .