تعالى على سبيل المحنة هو صلاح للمكلف في الدين ، فيلزمه الصبر عليه والتسليم له ، ويجرى ذلك مجرى ما يتعبد « 1 » به مما هو صلاحه . فكما يجب فيما يتعبد به أن يصبر عليه ويتحمله ويرضى به ، فكذلك القول في المرض إذا كان عقوبة . وقد علمنا أن هذه الأمارة قائمة في جميع ما فعله تعالى من الأمراض . فيجب القضاء في جميعها بأنها « 2 » محنة . ولهذا تعبّد تعالى التائب بالصبر على ما يفعل به من الحدود ولم يتعبد المصر ، بل له أن يجزع ويهرب . لذلك اختلف الفقهاء : فمنهم من يزيل عنه الحد بالهرب والتوبة . فإذا علمنا أن النازل من الأمراض بالفاسق - فيما ذكرنا - كالنازل بالمؤمن ؛ فيجب كونه جميعه محنة .
فإن قال : إذا كان ما يفعله به على سبيل العقوبة يقوم مقام ما / يفعل به على سبيل المحنة في أنه مصلحة ويحصل فيه وجه زائد - وهو كونه مستحقا - فهلا قيل إنه تعالى يفعله ويكون عقوبة ويحصل في تقديمه المصلحة ؟
قيل له : قد كان يجوز ما ذكرته لولا ما بيناه من التعبد بالصبر عليه وإجرائه مجرى ما يتعبد به من المصالح الشرعية ؛ لأن هذا التعبير في هذه الأمراض بمنزلة أن يتعبد تعالى فيها بأن توصف بأنها لطف ومصلحة . فكما لو تعبد بذلك فيها لوجب القطع بأنها محنة - وإن كان من فعل ذلك به يستحق العقوبة - فكذلك القول فيما ذكرناه . وليس يجب من حيث استحق العقوبة أن لا يجوز أن يفعل به من جنس العقوبة ما لا يكون عقوبة ؛ لأنه لا يمتنع أن تعلم تعالى فيما يفعل به من الآلام أنها متى فعلها « 3 » على جهة المحنة تكون مصلحة ، ومتى قدمت على وجه العقوبة لا تكون مصلحة ، فيفعلها تعالى على أحد الوجهين .
هامش
( 1 ) في الأصل يعبد .
( 2 ) في الأصل أنها .
( 3 ) في الأصل فعله .