عظيم ما نزل بهم من الآلام في حال الصبى يتذكرون تلك الأحوال التي استمرّت بهم وهم عقلاء كاملون وأقدموا على المعاصي العظيمة ؛ لأن مثل هذه الأحوال لا يجوز أن ينساه العاقل وإن طال به الزمان . لأنا إن جوّزنا أن ينسوا ما ذكرناه ، فيجب أن يجوز في أحدنا أن يتقدّم في الفقه حتى يجوز جميع المذاهب ويعرف الخلاف والوفاق ويأتي على الفروع ( ويدرس ) « 1 » مدّة من الزمان ثم ينسى ذلك أجمع . وذلك يؤدّى إلى أن نجوز على أنفسنا هذه الأمور ولا نقطع بخلافها .
وهذا يؤدّى إلى الجهالات . فيجب بمثله بطلان ما قاله أهل التناسخ ؛ لأن الأحوال التي كان فيها أحدنا عندهم مكلفا قبل حال الطفولة أشد امتداد وأطول وقتا مما ذكرناه .
فإن قالوا : إنا نذكر ذلك ، لأن كل واحد منا يعلم من نفسه خلاف ما ادّعوه ، ولا فرق بين هذه الدعوى وبين من يدّعى علينا أنا نذكر / من أنفسنا أنا ملكنا الدنيا مدّة من الزمان وحاربنا الملوك حالا بعد حال ، إلى غير ذلك ، وهذا من أعظم التجاهل « 2 » .
فإن قالوا : إنا لا نذكر ذلك لتراخى العهد وطوله . قيل لهم : إنه لا فرق في هذه الأمور العظيمة بين أن تتراخى وتتباعد أو تتقارب في أنه لا يجوز في العقلاء أن لا يذكروها البتة مع شدّة اجتهادهم في تذكرها والتحدّث بذكرها . لهذا نقول إن أهل الآخرة وإن تراخى عهدهم بالدنيا فهم مع كمال عقولهم لا بدّ من أن يتذكروا أحوالهم في دار الدنيا ، وإن سهوا عن اليسير منها فلا يصح فيهم السهو عن معظمها . ولذلك لا تفترق الحال فيما نتذكره بين ما وقع في زمن بعيد وبين ما وقع في زمن قريب .
هامش
( 1 ) غير واضحة في الأصل .
( 2 ) في الكلام نقص بدليل أنه لم يذكر جواب الاعتراض .