فصل في أنه تعالى يصح أن يفعل الآلام
قد بينا من قبل أنه سبحانه قادر على كل جنس يجوز أن يقدر عليه ، وإذا كانت الآلام مقدورة للقادر منا فيجب كونه تعالى قادرا عليها . وبينا أن كل ما يصح أن نفعله بسبب يصح منه تعالى أن يفعله على جهة الابتداء أو بالسبب جميعا . وبينا أن مثل السبب يجب أن يولد من أي فاعل كان إذا وجد على الوجه الّذي يولد . وإذا كان سبب الألم هو الوهى - وهو مقدور للقديم تعالى - فيجب كون الآلام مقدورة له . وقد بينا أن العقاب لا يستحق إلا من جهته تعالى ، وذلك يوجب كونه قادرا على الآلام . وبينا من قبل أن الجنس الّذي يكون لذة قد يكون ألما ؛ وإذ صح كونه تعالى قادرا على ما يلتذ به العبد ، فيجب كونه قادرا على ما يألم به لأن الجنس واحد ، ولأن ما يألم به ويلتذ من اللذة والنفار لا يقدر عليهما إلا اللّه تعالى . وقد بينا في الكلام على الثنوية بطلان قولهم بأن الألم لا يصح وقوعه ممن تقع منه اللذة وأن اختلافهما يدل على اختلاف الفاعلين ، وأبطلنا مقالتهم بوجوه كثيرة . وبينا أيضا بطلان القول بأن الآلام لا تكون إلا قبيحة ، وإذا بطل ذلك وجب / كونه قادرا عليها « 1 » ، وإن كان لو ثبت كونها قبيحة لم يقدح ذلك في كونه قادرا عليها ، وإنما كان يجب أن لا يثبت تعالى فاعلا لها .
هامش
( 1 ) في الأصل عليه .