فصل في أن الظلم يقبح لأنه ظلم لا لغير ذلك من أوصافه
يبين ذلك أن عند العلم بأنه ظلم يعلم قبيحا لا محالة ؛ ومتى فقد هذا العلم لم يعلم قبيحا إلا بأن يحصل فيه وجه آخر من وجوه القبح يعلم عليه . فإذا / صح ذلك وجب أن يكون كونه ظلما هو وجه قبحه من حيث وقف العلم بقبحه على العلم به .
وقد بينا من قبل أن جهات القبح تخالف في هذه الطريقة العلل وما شاكلها ؛ وأن العلم بقبح الشيء لا يحصل إلا مع العلم بما له يقبح ، إما على جملة أو تفصيل .
وكذلك العلم بحسنه ووجوبه . ودللنا على ذلك بأن زيدا قد يفعل الكفر في قلبه فلا يعلم حسن ذمه وإن استحق ذلك ، حتى إذا عرفناه فاعلا لذلك عرفنا حسن ذمه .
وليس بين الحالين افتراق في أمر يرجع إلى المذموم « 1 » . وإنما الفرق يرجع إلى الذام في علمه مرة بوجه حسن الذم ، وجهله مرة بذلك ، وكذلك القول في سائر ما يعلم سمعا وعقلا .
وقد بينا في أوّل باب العدل بطلان قول من يقول إنه « 2 » يقبح من حيث النهى أو تجاوز الحد والرسم « 3 » إلى ما شاكله من الوجوه التي تذكر في هذا الباب . وبينا أن قبحه لا يجوز أن يكون لعلة ولا لذاته . وكل ذلك يبطل سائر ما يتعلقون به ، وإن كان ما ذكرناه الآن كافيا في إبطال قولهم .
فإن قال : إنما يقبح لأنه ظلم ولأنه مراد ، ومتى لم يعلم كذلك لم يعلم قبيحا .
قيل له : قد بينا أن المراد « 4 » لا يقبح بالإرادة فيما أظن . ونذكر الآن فيه وجوها على
هامش
( 1 ) أي الشخص المذموم .
( 2 ) أي الظلم .
( 3 ) أي يقبح بمقتضى تعريفاتهم التي يخالفون فيها شروط الحد والرسم ، وهما نوعا التعريف .
( 4 ) أي الشيء المراد .