وإن قلتم : إذا قبح الاستفساد وجب الاستصلاح من حيث لا واسطة بينهما .
قيل لكم : إن الاستصلاح إذا رجع به إلى فعل فيجب أن يدل على وجوبه بغير الدليل الدال على قبح الاستفساد ؛ لأنه متى لم يدل على ذلك لغيره لم يكن بأن يحكم فيه بالوجود أولى من خلافه ، لأنه ليس بأن يقال فيه إنه يحسن من حيث قبح الاستفساد ، أولى من أن يقال يجب من حيث قبح ذلك .
وقد علمنا أن المكلف قد يجوز أن لا يكون مستفسدا بهذا الفعل ولا يختار مع ذلك الفعل الّذي زعمتم أنه استصلاح ؛ فمن أين [ يقال ] إنه واجب عليه ؟
قيل له : إنا لا نقول بوجوب اللطف من حيث دللنا على قبح المفسدة ، ولا بد من دليل نستأنف منه إذا كان الكلام في فعلين . فلا وجه للتطويل بما ذكرته في سؤالك .
وقد دل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على ذلك بأن قال : قد ثبت أن المنع مما عنده يختار الشيء الّذي أراده وكلفه بمنزلة المنع من نفس « 1 » ما كلف والتمكين مما كلف .
فإذا لم يحسن منه تعالى أن يكلف المنع مما كلف ، فكذلك لا يحسن منه أن يفعل ما يجرى مجرى المنع مما عنده يختار ما كلف « 2 » . وذكر في ذلك مثالا وهو أن أحدنا متى منع الزارع من سقى الزرع الّذي عنده يختار فعل النبت والماء « 3 » ، كان في حكم المانع من الانتفاع بالحب في باب القبيح « 4 » .
هامش
( 1 ) « من نفس » في الهامش وفي الصلب مما كلف .
( 2 ) من قوله « فإذا » إلى قوله « مما كلف » في الهامش .
( 3 ) يختار فعل النبت والماء : أي يختار إنبات الحب ويختار الماء لسقيه .
( 4 ) أي كان في باب القبيح في حكم المانع من الانتفاع بالحب .