وكل ذلك يبين الفصل بين الأمرين . وإنه ليس لأحد أن يطعن فيما أوردناه بذكر المسائل في تكليف من يعلم اللّه أنه يكفر .
وقد استدل أيضا رحمه اللّه على ذلك بأنه تعالى لو فعل بالعبد ما يكفر عنده بدلا مما يؤمن عنده لدلّ ذلك على أنه غير مريد لإيمانه وصلاحه ، وضرب في ذلك بعض ما قدمناه من الأمثال .
واعلم أن هذه الطريقة تصح على غير هذا الوجه بأن يقال : لو فعله تعالى لدل على أنه مريد لفساده على الوجه الّذي نصرناه . فأما إذا قيل فيه « 1 » : لو فعله تعالى لدل على أنه غير مريد الإيمان والصلاح ، فذلك يبطل ؛ لأن من حق الفعل أن لا يدل على حال الفاعل في الوقت ، ولا يدل على ما كان عليه فيما تقدم .
فكيف يجوز أن يقال إنه تعالى / مع تقدم التكليف بالفعل ( ) « 2 » عنده يدل ذلك على أنه غير مريد ما تقدمت إرادته له ؟
ومتى قال : إنما عنيت أنه يدل على أنه غير مريد لإيمانه في الحال لم يصح .
لأن من مذهبه أنه تعالى لا يجب أن يدوم كونه مريدا من المكلف فعل الإيمان حالا بعد حال . ومتى أراد ذلك منه في الأوّل أغنى عن ذلك فيما بعد . يبين ذلك أن المريد للشئ في وقت لا يوصف بالقدرة فيما بعد على أن يصير غير مريد لما أراده في الحالة التي أراده . فكذلك لا يصح أن يدل على ذلك ، لأن الدلالة لا تقع إلا على صحة .
فإن قال : أردت بذلك أن يكون حكمه حكم من لم يرد ذلك قط !
قيل له : إن من خالف في اللطف ينكر ما ذكرته ويقول : متى كلف ومكن فقد أزاح العلة وجعل العبد بحيث يؤتى في المعصية من جهته . فلا يلزم المكلف
هامش
( 1 ) في الأصل « فيها » .
( 2 ) مطموس .