تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجزة القرآنية — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

لبيد بن ربيعة :

وما حدث لعمر ، والطفيل بن عامر الدوسي ، حدث لكثير من المشركين مما دفعهم للدخول في الإسلام . بل جعل كثيرا منهم يذهل عن كل صورة من صور الجمال الفني في لغة العرب أمام بلاغة القرآن ، وجماله وإعجازه . فهذا لبيد بن ربيعة العامري ، أحد أصحاب المعلقات السبعة ، الذين سارت بشعرهم الركبان ، ومن أشراف الشعراء المجيدين الفرسان ، يفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويسمع كلامه ، ويسلم ، ولكن . . ما ذا فعل بالشعر ، الذي جرى في كيانه مجرى الدم من عروقه ، وجبلت به نفسه ، وعرفت به حياته ، وتناقله الناس عنه ، يتفاخرون به ، ويتمايلون طربا لسماعه ، بل يصل بهم الأمر لدرجة الجنون لأجله ، كما فعل الفرزدق حين مر بمسجد لبني أقيصر بالكوفة ، وسمع رجلا ينشد قول لبيد :
وجلا السيول عن الطلول كأنها * زبر تجدّ متونها أقلامها
فما كان من الفرزدق إلا أن سجد . . فقيل له : ما هذا يا أبا فراس . . ؟ . فقال : أنتم تعرفون سجدة القرآن ، وأنا أعرف سجدة الشعر « 1 » . . لقد وصل الأمر بالفرزدق ، وهو أحد فحول الشعراء الذين لا ينازعون ولا يدافعون ، وصل الأمر به لدرجة الافتتان بشعر لبيد . . . فما هو حال لبيد في الإسلام أمام القرآن . . . ؟ . لقد ذهل هذا الرجل الفصيح البليغ ، الذي فتن الناس بشعره ، لقد ذهل عن نفسه وشعره ، فلم يعد يتمكن من قول الشعر ، إذ أفحمته عظمة القرآن وبلاغته ، فلم يقل بعد إسلامه إلّا بيتا واحدا ، وهو قوله :
الحمد للّه إذ لم يأتني أجلي * حتى لبست من الإسلام سربالا
هامش
( 1 ) مختارات ابن منظور 9 / 340 .