نرجع إلى النسخ التي كتبت منذ أربعة عشر قرنا ، فنجدها بنفس الكلمات والحروف التي كتبت بها النسخ بعد ذلك بقرن ، أو قرنين ، أو ثلاثة ، أو عشرة ، إلى يومنا هذا .
والأعجب من ذلك أن المسلم الصيني ، أو الروسي ، أو الأوروبي ، أو الإفريقي ، أو الأمريكي ، يقرأ القرآن بلغة العرب التي أنزل فيها ، في كثير من الحالات ، بل في أكثرها لا يفهم معناه ، ولكنه رغم هذا ، يقرؤه ويحفظه ، بنفس الصيغة والأسلوب اللذين كان يقرأ بهما القرآن في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي كل زمان ومكان ، وكما يقرؤه المسلم العربي الذي يكاد يفهم معنى كل حرف من حروفه ، وكل كلمة من كلماته .
ما السر في هذا ؟ .
وكيف ثبت القرآن هذا الثبوت ؟ .
وكيف وصل إلى هذه المرحلة ، خلال هذه القرون الطويلة التي ما أتت على شيء إلا وبدلته وغيرته . . ؟ .
إنه إعجاز القرآن الغيبي . . الذي أخبر اللّه عنه من أربعة عشر قرنا :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
.
ولكن . . . هل هذا كل ما في الأمر من هذه المعجزة الغيبية . . . ؟ .
الجواب : لا . .
إن وجه الإعجاز سيظهر جليا واضحا اليوم ، في العصر الحاضر ، أوضح مما ظهر في أي يوم من الأيام . . .
لقد دارت الدائرة على دولة الإسلام ، فانهارت خلافتها ، وتمزقت وحدتها ، وقامت الحدود الإقليمية المصطنعة بين أبنائها ، فجعلت منهم العربي والأعجمي ، ثم قامت الحدود بين أبناء الأمة العربية ذاتها ، وقسمت البلاد العربية إلى دول ودويلات ، وفي كل هذا التراجع ، تتراجع راية المسلمين ، وتلين عزيمتهم ، وتضرب حولهم السدود المنيعة حتى لا يقووا على الحركة والنهوض .