وقال « طرفة » :
وما زال شربي الراح حتى أضلني * صديقي ، وحتى ساءني بعض ذلك
أراد سماني ضالا . وهذا الوجه مما ذهب إليه جمع عظيم من المعتزلة .
والتأويل الثالث : الإضلال مفسر بالتخلية وترك المنع بالقهر والجبر .
يقال : أضله أي خلاه مع ضلاله . قالوا : ومجازه من قولهم : أفسد فلان ابنه وأهلكه وذم عليه . إذا لم يؤدبه .
وقال بعضهم :
أضاعوني . وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية ، حتى فسد وصدأ : أفسدت سيفك .
والتأويل الرابع : الضلال هو العذاب والإضلال هو التعذيب . والدليل عليه : قوله تعالى :
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ، ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ
« 1 » فوصفهم اللّه تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال . وذلك الضلال ليس إلا العذاب . وقال تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا ، بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً . كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ
« 2 » وهذه الآية تدل على أن الضلال المذكور في هذه الآية هو العذاب .
والتأويل الخامس : أن يحمل الإضلال على الهلاك قال تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
« 3 » قيل : أبطلها وأهلكها . ومجازه : من قولهم : ضل الماء في اللبن ، إذا صار مستهلكا فيه . ويقال : أضللته أنا : إذا أهلكته وصيرته كالمعدوم . ومنه يقال : أضل القوم رئيسهم . إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى .
هامش
( 1 ) سورة القمر ، آية : 47 - 48 .
( 2 ) سورة غافر ، آية : 71 - 74 .
( 3 ) أول سورة محمد ،