قد قبلنا . وأتيناك لنتفقه في الدين ، ونسألك عن بدو هذا الأمر . فقال : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء « 1 » » وكتب في الذكر كل شيء ، وخلق السماوات والأرض » .
واعلم : أن هذا الخبر فيه فوائد : أحدها : أن الحيز والجهة : أمر موجود . بدليل : أنه مشار إليه بحسب الحس ، ومقصد المتحرك . ويوصف بالقرب والبعد ، ويقبل التقدير والمساحة .
وكل ما كان كذلك ، فهو شيء موجود لا محالة . فقوله عليه السلام : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره » يدل على أن الأحياز والجهات ما كانت موجودة في الأزل ، وإذا كان كذلك ، علمنا : أنه تعالى ما كان في الأزل ، حاصلا في حيز وجهة أصلا .
وثانيها : إن قوله : « ولم يكن شيء غيره » يدل على حدوث الأجسام والأعراض والعقول والنفوس . ويدل أيضا : على فساد قول المعتزلة في أن المعدوم شيء .
وثالثها : قوله : « وكتب كل شيء في الذكر » فهذا يدل على قولنا في مسألة القضاء والقدر . لأن العبد لو أتى بخلاف ذلك المكتوب ، لصار حكم اللّه باطلا ، وخبره كذبا . وذلك محال . والمفضي إلى المحال محال . فثبت : أن كل ما كتب في اللوح المحفوظ ، فهو واقع ، وإن العبد لا قدرة له على خلافه .
الحجة الرابعة والعشرون : عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم :
« إن اللّه خلق الجنة ، وخلق لها أهلا . وهم في أصلاب آبائهم . وخلق النار ، وخلق لها أهلا . وهم في أصلاب آبائهم » والاستدلال به ظاهر .
الحجة الخامسة والعشرون : الدعاء المشهور المأثور عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم .
وهو قوله : « اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت » ولو كان جعل العبد ليس من خلق اللّه تعالى ، لكان العبد قد يمنع كثيرا مما « 2 » أعطى اللّه ،
هامش
( 1 ) سورة هود ، آية : 7 .
( 2 ) إنما ( م ) .