تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
أنه ليس كل من سمع ذلك التذكير : انتفع به « 1 » ] فإن النفوس الناطقة : مختلفة ، فبعضها ينتفع بذلك التذكير ، وبعضها لا ينتفع به ، وبعضها يضره سماع ذلك التذكير ، لأن سماعه يثير في قلبه دواعي الحسد والغيظ والغضب والإصرار على الجهل . ثم لما نبه تعالى على أن المستمع لذلك التذكير قد ينتفع به ، وقد لا ينتفع به ، أتبعه ببيان خاصية كل واحد من هذين القسمين ، فبين أن صفة من ينتفع بهذا التذكير ، هو أن يكون الخوف غالبا على قلبه ، والخشية مستولية على روحه . ولأجل ذلك الخوف : يطلب زاد المعاد ، فلا جرم أنه ينتفع بإرشاد هذا المحق . وأما الذي لا ينتفع بهذا التذكير ويتباعد عنه ، ويجتنب من القرب منه ، فهو النفس الموصوفة بكونها أشقى النفوس ، فإنها تبقى في عناء هذا العالم ، وبعد الموت تقع في نيران الحسرة والوحشة . ولما بين هذا ، أزاله في صفته ، فقال :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ، وَلا يَحْيى
وإنما قال :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها
لما ثبت أن النفس لا تموت بموت البدن ، وإنما قال :
وَلا يَحْيى
لأنها وإن بقيت حية ، لكنها بقيت في العذاب . والموت خير من هذه الحياة ، فلهذا قال :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
ولما بين من لا ينتفع بذلك التذكير ، بين كمال حال من ينتفع به ، فقال :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
وذلك لأن المقصود من تعليم الأنبياء ، وتذكيرهم وإرشادهم : أمران : أحدهما : إزالة الأخلاق الذميمة الجسمانية « 2 » عن النفس . والثاني : تحصيل الصفات الحميدة الروحانية في النفس ، ولما كانت إزالة ما لا ينبغي مقدمة على تحصيل ما ينبغي ، لا جرم ابتدأ بقوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
والمراد منه : تزكية النفس وتطهيرها عن الصفات المذمومة ، ولما ذكر ذلك ، أتبعه بتحصيل ما ينبغي ، وذلك إما في القوة النظرية ، أو في القوة العملية . ورئيس المعارف النظرية : ذكر اللّه تعالى ومعرفته ، ورئيس الأعمال الفاضلة : خدمة اللّه تعالى . فلهذا قال :
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
وهو إشارة إلى استسعاد الإنسان في تكميل [ قوته
هامش
( 1 ) سقط ( ت ) . ( 2 ) الروحانية ( ل ) .