تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
والدليل القاطع عليه : أنه إذا كان الإنسان عبارة عن جوهر النفس ، كان البدن مركبا له ، ومحلا لتصرفه . فكان دخول بدنه في الدار وخروجه منها ، جاريا مجرى دخول فرسه في الدار ، وخروجه منها . لكن كل عاقل يدرك تفرقة [ بديهية « 1 » ] بين قوله : دخلت في الدار وخرجت منها ، وبين قوله : دخل فرسي الدار ، وخرج منها . ولما كان القول بأن النفس جوهر مجرد ، يوجب زوال هذه التفرقة المعلومة بالبديهة ، وجب أن يكون القول بإثبات النفس : باطلا . الحجة الثالثة : لو كانت النفس عبارة عن جوهر مجرد ، له تعلق بهذا البدن بالتصرف والتدبير ، لم يبعد في أول « 2 » العقل أن ينقطع تعلق هذه النفس بهذا البدن ، وتصير متعلقة بالبدن الثاني ، وبالعكس . وعلى هذا التقدير ، فإذا رأينا بدن « زيد » ثم رأيناه بعد ذلك وجب أن نبقى شاكين في أن هذا الإنسان . هل هو الإنسان الأول ؟ لأن بتقدير أن يتبدل المدبر الأول لهذا البدن ، بمدبر آخر ، فقد تبدل ذلك الإنسان بغيره . كما أنا لما رأينا بيتا وجوزنا أن ملك ذلك البيت قد انتقل إلى مالك آخر ، فحينئذ لا نقطع عند رؤية ذلك البيت في المرة الثانية ، بأن مالكه هو المالك الأول . بل نبقى شاكين فيه . فكذا هاهنا وجب أن يبقى الشك في أن هذا الإنسان الذي نراه الآن ، هل هو الإنسان الذي رأيناه أولا ؟ ولما لم يحصل هذا الشك لأحد من العقلاء ، وثبت : أن على تقدير أن يكون الإنسان شيئا آخر ، غير هذا البدن ، وجب حصول هذا الشك ، علمنا : أن القول بأن الإنسان شيء غير هذا البدن ، قول باطل . فإن قالوا : التجويز الذي ذكرتم قائم على كل التقديرات ، لاحتمال أن الشخص الأول فني ، وحدث شخص آخر يساوي الأول في الصورة والخلقة .
هامش
( 1 ) من ( طا ) ، ( ل ) . ( 2 ) ثانيا ( م ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 46 | فخر الدين الرازي