تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
قبيح ، والزنا نفع في الحال مع أنه قبيح . وأما أن الضار قد يكون حسنا فلأن إتعاب النفس في العبادات والطاعات ضار في الحال مع أنها حسنة . وتمام كلامهم قد ذكرناه في باب القادر ، وأجبنا عنه : بأن الظلم وإن كان نافعا بالنسبة إلى ذلك الظالم ، إلا أنه عظيم الضرر في وضع العالم . لأنا إن حكمنا بحسن الظلم حصل الهرج والمرج ، ولم يبق لأحد وثوق بتزوجه ومنكوحه ، وذلك من أعظم المضار ، وأما العبادات فإنما كانت حسنة لأن الإتيان بها يفيد النفع العظيم في الآخرة . وبذل المنفعة القليلة لأجل وجدان النفع العظيم من أصول مصالح العالم . ألا ترى أن الزارع يبذر البذر ويفسده لأجل وجدان الريع الكثير . فيثبت أنا لا نعقل من الحسن والقبح إلا المنفعة والمضرة . واعلم أن هذا المقام هو المقام الصعب ، فإنهم إن فسروا الحسن والقبح بالمنفعة والمضرة ، فحينئذ لا يمكنهم إثبات الحسن والقبح في حق اللّه تعالى ، وإن حاولوا إثبات « 1 » شيء آخر ، لم يجدوا منه أثرا ، فهذا هو الموضع الشريف الكامل الذي يجب على العاقل أن يثبت فيه . الحجة الثانية : في بيان أن الحسن والقبح بحسب العقل في أفعال اللّه : محال إنه لو صح القول بالقبح العقلي ، لم يكن اللّه منعما على أحد من عبيده . وهذا باطل ( فذاك باطل ) « 2 » . بيان الملازمة : أن النعمة إنما تكون نعمة في حق من يكون محتاجا إليها متهيئا لها . لأن من لا يكون كذلك لم يكن إيصال ذلك الشيء إليه . نعمة في حقه . إلا أن الحاجة إليه والشهوة به مضرة ، فيثبت أن إيصال النعمة إليه لا يمكن إلا إذا كان مسبوقا بإيصال ضرر يساويه إليه ، ومتى كان الأمر كذلك صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف ، فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنسانا ثم يعالج جراحته ، وكمن
هامش
( 1 ) إثبات ( س ) . ( 2 ) من ( م ) .