الشر القليل ترك للخير الكثير . وحينئذ لا يبقى بين موضوع هذه القضية وبين محمولها فرق البتة . ومثل هذه القضية عيب فاسد ، فإن عني بالشر الكثير : الألم الكثير والضرر الكثير . فهذا باطل ، لأنه إذا ترك الخير الكثير لأجل ذلك الشر القليل فإنه يبقى الشيء على العدم الأصلي . وعلى هذا التقدير فكما لا تحصل اللذة والبهجة ، فكذلك لا يحصل الألم والضرر .
فهذا تمام البحث في هذا الطريق .
وأما طريق المعتزلة « 1 » : قالوا : ثبت بالدليل : أن الحسن ( إنما يحسن ) « 2 » لوجوه عائدة إليه ، وأن القبح يقبح لوجوه عائدة إليه . وثبت أيضا بالدليل أنه تعالى غني عن كل الحاجات ، وثبت أيضا بالدليل أنه تعالى عالم بكل المعلومات ، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة فإنه يتولد من مجموعها مقدمة واحدة ، وهي أنه تعالى عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنيا عنه . ثم نقول : وكل من كان كذلك فإنه لا يفعل القبيح ينتج أنه تعالى لا يفعل « 3 » القبيح . أما الأصول الثلاثة فقد تقدم الكلام فيها . وأما المقدمة الثانية فقد احتجوا على صحتها من وجهين :
الأول : إن الإنسان إذا قيل له : إن صدقت أعطيناك دينارا ، وإن كذبت أعطيناك دينارا ، واستوى الصدق والكذب بالنسبة إليه في جميع المصالح العاجلة والآجلة ، إلا في كونه صدقا وكذبا . فإنه لا بد وأن يترك الكذب ويفعل الصدق .
إذا ثبت هذا فنقول : الوجه المقتضي للصرف عن الكذب مجرد علمه بكونه كذبا ، لأن عند العلم بكونه كذبا يحصل هذا الصرف ، وعند عدم هذا العلم لا يحصل هذا الصرف ، فثبت أن الموجب لهذا الصرف هو العلم بكونه
هامش
( 1 ) الفصل التاسع عشر في تقرير حكمة اللّه تعالى على قول المعتزلة [ الأصل ] .
( 2 ) من ( س ) .
( 3 ) لا يفعل ( م ) لا يعلم ( س ) .