السلامة عن الآفات غالبة والوقوع ( في الآفات مغلوب ) « 1 » فنقول : هب أن الأمر كذلك ، إلا أنا بينا : أنه لا يجوز أن يكون المقصود من الخلق والإيجاد :
هو السلامة عن الآفات ، فلا يجوز أن يكون الشر القليل محتملا لتحصيل الخير الكثير بهذا المعنى . وإن كان المراد أن حصول اللذة والسرور راجح على حصول الغم والألم فهذا ممنوع . وظاهر أن الأمر ليس كذلك ، فإن أوقات السرور واللذة قليلة ، والغالب حصول الغم والهم والحزن بسبب الحرص والحسد والرغبة في طلب الدنيا .
نقول : إن حب الإنسان للمال والجاه شديد ، فإذا طلب فالغالب أنه لا يفوز بمطلوب ، فيبقى قلبه أبدا في الألم والوحشة ، بل نقول : إن لم يفز بمطلوبه فهناك البلاء الشديد ، وإن فاز بمطلوبه فحينئذ يلتذ به ، والتذاذه به يحمله على طلب الزائد . وذلك الطلب يوجب العناء الشديد والبلاء العظيم ، فالحاصل أنه عند الطلب إن بقي في الحرمان فهناك البلاء والخسران ، وإن فاز بالوجدان عظم التذاذه به . وتلك اللذة تصير سببا لحصول طلب أكمل مما كان ، وأقوى مما كان ، وهو يوجب الحرص الشديد أعظم مما كان ، فيثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن هذا النوع الواحد من البلاء والعناء . وأما سائر أنواع البلاء مثل قصد الأعداد وحصول أنواع الأمراض والآلام سواء كانت قليلة أو كثيرة والخوف من الفقر والهرم ، وطريان العلل المنفرة ، فهذا بحر لا ساحل له .
فنقول : من يقول : إن هذه المكروهات أقل من تلك اللذات : مكابرة ، لا يليق بها عاقل . فيثبت بما ذكرنا : أن قولهم الخير راجح ، والشر مرجوح مغالطة محضة .
وأما الأصل الثالث وهو قولهم : ترك الخير الكثير ، لأجل الشر القليل شر كثير ، فنقول : الشر قد يعني به ترك الخير ، وقد يعني به حصول الألم والضرر ، فقوله : ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل : شر كثير . إن عنى بالشر الكثير ترك الخير الكثير ، صار تقدير هذا الكلام : إن ترك الخير الكثير لأجل
هامش
( 1 ) من ( س ) .