تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
إذا عرفت هذا فنقول : الشيء إما أن يكون خالص المصلحة « 1 » في اعتقاده ، أو خالص المفسدة في اعتقاده ، أو يكون مشتملا على المصلحة والمفسدة في اعتقاده ، أو يكون خاليا عنهما في اعتقاده . فهذه أقسام أربعة لا مزيد عليها . أما القسم الأول : فإن عند حصول هذا الاعتقاد يجب الفعل ، ويكون الإنسان كالملجإ « 2 » إليه . وأما القسم الثاني : فعند حصول هذا الاعتقاد يجب الترك ويكون الإنسان كالملجإ إلى الترك . مثال الأول الصائم في الصيف القائظ ، إذا اشتد عطشه ، وعظمت حاجته إلى شرب الماء البارد ، وكان ذلك الماء البارد حاضرا ، والشارع يقول له : اشرب . والطبيب يقول له : اشرب . وعلم أن ذلك الشرب خالص النفع خالي عن جميع جهات الضرر ، فههنا يجب الشرب ، ويكون الإنسان كالملجإ إلى ذلك الشرب . ومثال الثاني : الإنسان إذا علم أن له في دخول النار ضررا عظيما ، والشارع يقول له : لا تدخل النار . والعقلاء أطبقوا على منعه من الدخول في النار ، وعلم ذلك الإنسان أنه ليس له في دخول النار منفعة في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن له في دخولها أعظم المضار . فههنا يمتنع منه أن يدخل في النار ، ويكون كالملجإ إلى أن لا يدخل في النار . نعم الإنسان قد يلتزم قتل نفسه ، وقد يرمي نفسه من شاهق جبل إلا أنه إنما يفعل ذلك إذا صار مضطرا إلى التزام ألم أو غمّ . وأعتقد أن ذلك الألم وذلك الغم أعظم من الألم الحاصل بسبب القتل . وأعتقد أنه لا يمكنه الخلاص من ذلك الألم الأعظم إلا بالتزام ألم القتل ، فههنا قد يقدم على قتل نفسه . وإنما فعل ذلك لاعتقاده أن التزام هذا الألم يوجب الخلاص من ألم آخر أعظم منه ، فهو إنما التزم تحمل هذا الألم العظيم ، لكونه دافعا للقدر الزائد عليه من الضرر ، ودفع الضرر بقدر الإمكان مطلوب في العقل . وأما القسم الثالث : وهو أن يكون الفعل مشتملا على المصلحة والمفسدة
هامش
( 1 ) المنفعة ( ت ) . ( 2 ) كالمحال ( م ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 25 | فخر الدين الرازي