تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
هذا - هو القدرة فما الفرق بين القدرة وبين الإرادة ؟ أما قوله : إنها تؤثر في الترجيح لا في التكوين فنقول : هذا الكلام إنما يتم ببيان الفرق بين الترجيح وبين التكوين ، فإنا لا نعقل من الترجيح إلا وقوع أحد جانبي الممكن : بسببه ، وهذا هو التكوين . وإثبات مفهوم آخر يسمى بالترجيح والتخصيص مغاير للمفهوم الحاصل من التكوين أمر غير معقول . وأما قوله : المخير بين ( أكل الرغيفين ) « 1 » وشرب القدحين ، يختار أحدهما من غير جلب منفعة ، أو دفع مضرة يختص بها ذلك الواحد . فنقول : الكلام عليه من وجهين : الأول : لا نسلم أنهما يتساويان في جلب « 2 » المنافع ، والمصالح المتعلقة بالأبدان « 3 » ، بل لا بد وأن يتخيل أن أحدهما أقرب إليه ، وأحدهما أسهل عليه ، وهو أنفع في نفسه ، وربما كان عظيم الحرص على الأكل والشرب ، فلما وقع بصره على أحدهما عظمت رغبته فيه . فصارت قوة رغبته فيه مانعة له عن تحويل النظر عنه إلى غيره ، فبقيت رغبته مقصورة عليه وغير متعدية منه إلى غيره . وبالجملة : فحصول المرجح الذهني غير ، وبقاء ذلك المرجح غير . وتذكر ذلك المرجح بعد نسيانه غير . ولا يلزم من فقدان هذا الثالث فقدان الثاني والأول . والوجه الثاني في الجواب : هب أنه يأخذ أحدهما دون الآخر لا لمرجح . إلا أن الذي لأجله صدر عنه هذا الفعل شدة رغبته في أصل الأكل والشرب ، وتلك الرغبة عبارة عن طلب المنفعة ودفع المضرة ، فلو لا طلب النفع لما أقدم على أخذ أحد الرغيفين ، وشرب أحد القدحين ، ولولا الفرار عن دفع ضرر السبع ، لما اختار سلوك أحد الطريقين ، فيثبت أن الحامل له على هذا الفعل ، ليس إلا طلب المنفعة ودفع المضرة . وحينئذ يعود ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) جميع ( م ) . ( 3 ) المتخيلة ( م ) .