تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
سائر المعقولات ، وجب أن يصح على ذات اللّه حال كونها موجودا في الأعيان أن يقارنها صور سائر المعقولات ، لكنا قد بينا أنه لا معنى للتعقل والإدراك ، إلا هذه المقارنة ، فلما دل الدليل على أن هذه المقارنة جائزة على ذات اللّه تعالى . وجب القطع بأنه يصح على ذات اللّه تعالى أن يكون عالما بالأشياء . إذا ثبت هذا فنقول : كل ما صح على ذات اللّه تعالى وجب حصوله له ، لأنه لو صح عليه أمر من الأمور ، مع أنه لا يجب حصوله « 1 » . فحينئذ يكون التغير جائزا عليه . وذلك محال ، لأن كل صفة تفرض فإما أن تكون ذات اللّه مستقلة باقتضائها ، وإما أن تكون مستقلة بدفعها . وإما أن لا تكون مستقلة لا بالاقتضاء ولا بالدفع . والأولان يوجبان إما دوام الإيجاب ، أو دوام السلب . وذلك يمنع من جواز التغير . والثالث يوجب المحال ، لأن تلك الذات لا تنفك عن ثبوت تلك الصفة وسلبها ، لكن ثبوتها وسلبها لا بد فيها من سبب منفصل عن الذات . فعلى هذا : الذات موقوفة التحقق ( على ثبوت تلك الصفة أو سلبها . وذلك الثبوت وذلك السلب موقوف ( التحقق ) « 2 » على ثبوت شيء منفصل أو سلبه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف « 3 » على الشيء . فذات واجب الوجود موقوفة في تحققها على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته . فيلزم أن يكون واجب الوجود لذاته ممكن الوجود . وهو محال . فيثبت أن التغير على ذات اللّه تعالى وصفاته محال ، وإذا كان كذلك فكل ما صح في حق اللّه تعالى ، وجب أن يكون حاصلا . وقد ثبت أنه يصح كونه تعالى عالما بالمعلومات ، فوجب أن يكون عالما بها . فهذا تمام الكلام في بيان أن اللّه تعالى يجب أن يكون عالما بما سواه . والأصل الثاني : أنه إذا ثبت أن الأمر كذلك . فنقول : يجب أيضا أن يكون عالما بذاته ، لأن كل من علم شيئا فإنه يمكنه أن يعلم كونه عالما به ،
هامش
( 1 ) حصوله ( ط ) . ( 2 ) من ( م ، س ) . ( 3 ) التحقق على ثبوت شيء منفصل أو سلبه . والموقوف على الموقوف على الشيء ، موقوف : سقط ( س ) .
المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 128 | فخر الدين الرازي