تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المطالب العالية من العلم الإلهي — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
ذلك فإنه ليس بصغير ولا بحقير . ومعلوم أن هذا الذي ذكروه مما لا يقبله الحس والخيال البتة ، بل لا يقبله العقل البتة . لأن المشار إليه بحسب الحس . إن حصل له امتداد في الجهات والأحياز كان أحد جانبيه مغايرا للثاني ، وذلك يوجب الانقسام ، وإن لم يحصل له امتداد في شيء من الجهات لا في اليمين ولا في اليسار ولا في الفوق ولا في التحت ولا في القدام ولا في الخلف ، كان نقطة غير منقسمة ، وكان في غاية الصغر والحقارة . وإذا لم يبعد عندهم التزام كونه تعالى غير قابل للقسمة مع القول بكونه عظيما غير متناه فكيف حكموا بأن القول بكونه تعالى ليس بمتحيز [ ولا حال في المتحيز « 1 » ] مدفوع في بديهة العقل . فيثبت : أن الذاهب إلى هذا القول : متعنت . يحكم على ما كان بديهي البطلان بالصحة ، ويحكم على غير البديهي بكونه بديهيا . وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض . فهم أيضا معترفون بأن ذات اللّه تعالى مخالفة لذوات هذه المحسوسات . فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات في قبول الاجتماع والافتراق ، وفي الصحة والمرض وفي الحياة والموت والصلابة واللين والاستئناس بالغير ، والتوحش بسبب الوحدة . فهم معترفون بأن هذه الأشياء ممتنعة الثبوت في حق اللّه تعالى . فإنا إذا قلنا لهم : لو وصل شيء إلى ذاته . فهل يمكنه أن يغوص فيه أولا يمكنه ؟ فإن أمكنه كانت ذاته بمنزلة الماء والهواء . فتتمزق وتتفرق تلك الذات وإن تعذر عليه ذلك كانت ذاته بمنزلة الحجر الصلد . وأيضا : الحي الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يطيب قلبه بسبب الاستئناس بالغير ، ولا تستوحش نفسه بسبب التفرد : غير معقول . فإن قيل للحنابلة : هذه الكلمات . قالوا : إنه تعالى يخالف خلقه . فلا يجوز أن يقاس حاله بحال غيره . وإذا ثبت هذا فنقول : إنهم قد اعترفوا في هذا المقام : بأن حكم الوهم والخيال غير مقبول في حق اللّه تعالى . وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يمكنهم أن يحكموا بأن حكم الوهم والخيال في أن كل موجود إما أن يكون متحيزا ، وإما أن يكون حالا في المتحيز : يجب أن يكون مقبولا ؟
هامش
( 1 ) من ( و ) .