والجوارح ، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر ، أو خاف ذلك ، فزاد الاعتقاد بالقلب ، ومن قال : قول وعمل ونية ، قال : القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان ، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية ، فزاد ذلك ، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا للّه إلا باتباع السنة ، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل ، وإنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال ، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط ، فقالوا : بل هو قول وعمل والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم ، كما سئل سهل بن عبد اللّه التستري « 1 » عن الإيمان ما هو ؟ فقال : قول وعمل ونية وسنة ، لأن الإيمان إذا كان بلا عمل ، فهو كفر ، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق ، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة « 2 » . اه .
وما ذهب إليه الإمام أحمد - رحمه اللّه - من تعريف للإيمان هو مذهب عامة السلف في الإيمان : اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان . فالسلف - رحمهم اللّه - رأوا أن الإيمان عبارة عن هذه الأمور الثلاثة ، واعتبروا التصديق بالقلب والقول باللسان أصلا والعمل فرعا . لذلك نجدهم لا يكفرون مرتكب الكبيرة ولا يحكمون عليه بالتخليد في النار . كما يفعل الخوارج والمعتزلة « 3 » . وقد نقل الإجماع عنهم على هذا التعريف للإيمان أبو عبيد القاسم بن سلام « 4 » والشافعي « 5 » والبخاري « 6 » واللالكائي « 7 » والبغوي « 8 » وابن عبد البر « 9 » وغيرهم .
وهذا الإجماع منهم مبنى على أدلة صريحة من الكتاب والسنة .
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته ص . 42 .
( 2 ) الإيمان ص : 162 . وانظر مجموع الفتاوى له : 7 / 505 - 506 ، والشريعة للآجرى ص : 119 .
( 3 ) قد يلتبس على البعض تعريف أهل السنة للإيمان وتعريف الخوارج والمعتزلة له وسيأتي مزيد من الإيضاح حول هذه المسألة عند الكلام عن الفرق المخالفة في تعريف الإيمان ص : 76 .
( 4 ) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية : 7 / 309 ولم أجده في كتاب الإيمان ولعله في مؤلف آخر له ، واللّه أعلم .
( 5 ) انظر : الإيمان لابن تيمية ص : 197 .
( 6 ) انظر : فتح الباري : 1 / 47 .
( 7 ) انظر : شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة : 4 / 832 .
( 8 ) انظر : شرح السنة : 1 / 38 .
( 9 ) انظر : التمهيد : 9 / 238 .