تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 7

مساهمون:

ص٧

الحكمة في مخلوقات الله عزّ وجلّ

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

خطبة الكتاب

الحمد للّه الذي جعل نعمته في رياض جنان المقربين ، وخص بهذه الفضيلة من عباده المتفكرين ، وجعل التفكر في مصنوعاته وسيلة لرسوخ اليقين في قلوب عباده المستبصرين ، استدلوا عليه سبحانه بصنعته فعلموه وتحققوا أن لا إله إلا هو فوحدوه ، وشاهدوا عظمته وجلاله فنزهوه ، فهو القيم بالقسط في جميع الأحوال ، وهم الشهداء على ذلك بالنظر والاستدلال فعلموا أنه الحليم القادر العليم ، كما قال في كتابه الكريم :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ آل عمران : 18 ] . والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين ، وشفيع المذنبين محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه وشرف وكرم إلى يوم الدين . أما بعد : يا أخي وفقك اللّه توفيق العارفين ، وجمع لك خير الدنيا والدين ، إنه لما كان الطريق إلى معرفة اللّه سبحانه والتعظيم له في مخلوقاته والتفكر في عجائب مصنوعاته . وفهم الحكمة في أنواع مبتدعاته ، وكان ذلك هو السبب لرسوخ اليقين ، وفيه تفاوت درجات المتقين ، وضعت هذا الكتاب منبها لعقول أرباب الألباب بتعريف وجوه من الحكم والنعم التي يشير إليها معظم آي الكتاب . فإن اللّه تعالى خلق العقول وكمل هداها بالوحي وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته والتفكر والاعتبار مما أودعه من العجائب في مصنوعاته ، لقوله سبحانه :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. [ يونس : 101 ] . وقوله :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
[ الأنبياء : 30 ] . إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلالات الواضحات التي يفهمها متدبرها ، والمترقي في اختلاف معانيها يعظم المعرفة بالله سبحانه التي هي سبب السعادة ، والفوز بما وعد به عباده من الحسنى وزيادة . وقد بوبته أبوابا يشتمل كل باب على ذكر وجه الحكمة من النوع المذكور فيه من الخلق ،
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 7 | الغزالي