تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
لا يجوز عليه هذه الصفات . ولست أذكر ما انكشف لي فيه ، فإن الصورة المجملة لا تفيد كشفا بل تقليدا ؛ ولست بالتقليد أولى من غيري ، ولا منفعة في التقليد في المعقولات . وأما كشفه ففيه طول ، ولو لم يطل أيضا لكان الاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الكف عن ذكره أولى ، وأنه لم يذكر سر الروح وهذا بحث عنه ، فلا ينبغي أن يزاد عليه في الإيضاح . وأما ما شاهده الأنبياء والأولياء من صورة الملائكة والشياطين فهي في الأكثر أمثلة تنافي معانيها وتقوم مقام مشاهدة عين المعاني ، كما يرى الأنبياء في المنام ويستفاد منهم ؛ وإنما المشاهد في المنام مثلهم ، فأما أشخاصهم فلم تنتقل عن مواضعهم ، فذكرت تفصيل ذلك في كتاب " عجائب القلب " . وكذلك القول في الجن ؛ ولذلك ترى صورا مختلفة ، إذ التمثيلات لا تنحصر وجوهها ، كما أن من يرى النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يراه على صورة واحدة . إلا أن هذه التمثيلات تكون للأنبياء والأولياء في اليقظة ، ولغيرهم تكون في المنام فقط . وفي الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم ير جبريل على صورته إلا مرتين مع كثرة رؤيته له في كل حين . وأما الكلام المسموع من المصروع فهو كلامه ، وقول القائل تكلم الجني بلسانه كلام غير معقول . نعم ، الجن سبب لوقوع خواطر وتمثيلات وخيالات في قلبه ، تنبعث بسببه داعية الكلام والحركة ؛ وكلامه مثل كلام النائم ، والنائم هو المتكلم لا غيره . وأما إخبار المصروع بالغيب فسببه أن جميع ما كان وما يكون مسطور ثابت في شيء خلقه اللّه ، تارة يسمى لوحا ، وتارة إماما ، وتارة كتابا ، كما قال اللّه تعالى :
فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ، يونس : 61 ، هود : 6 ، النمل : 75 ، سبأ : 3 ]
فِي إِمامٍ مُبِينٍ
[ يس : 12 ] . وثبوت الأشياء فيه كثبوت القرآن في دماغ الحافظ للقرآن ، وليس مثل الرقوم المكتوبة المرتبة في جسم متناه ؛ لأن غير المتناهي لا يمكن أن يكتب في المتناهي كهذه الكتب الظاهرة . والقلب مثل مرآة ، واللوح مثل مرآة ، ولكن بينهما حجاب ، فإذا ارتفع تراءى في القلب الصور التي في اللوح . والحجاب هو الشاغل ، والقلب في الدنيا مشغول ، وأكثر اشتغاله التفكر فيما يورده الحس عليه ؛ فإنه من الحواس في شغل دائم . فإذا ركدت الحواس بالنوم أو الصرع ، ولم يكن من فساد الأخلاط شاغل آخر في الباطن ، ربما يرى القلب بعض تلك الصور المكتوبة في اللوح ؛ وتحقيق هذا يطول ، وقد أشرت إلى ملامح منه في كتاب " عجائب القلب " . وكذلك ما يظهر عند سكرات الموت حتى ينكشف للإنسان موضعه من الجنة فيكون بشرى ، أو من النار والعياذ بالله فيكون نذيرا ؛ لأن الحواس تركد في مقدمات الموت قبل زهوق الروح . وأما حديث غذاء الشيطان من العظم ، وحصاصه ، وحديث الحوض ، والبرزخ فما عندي في تفصيل المراد به تحقيق ؛ بل بعض ذلك مما أوصي بالكف فيه عن التأويل ، وبعضه مدركه النقل المحض ، وبضاعتي في علم الحديث مزجاة ، فموضع الحوض لا يعرف إلا بمجرد النقل فليرجع فيه إلى الأحاديث . والبرزخ يمكن أن يكون المراد به مرتبة بين الجنة والنار لمن ليست له حسنة ولا سيئة ، كالمجنون ، والذي لم تبلغه الدعوة . والحكم بأن المراد إحداهما دون الأخرى تخمين إلا أن يدل عليه النقل ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .