تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
الكاذب ، والشرع شاهد بالتفاصيل ، والعقل مزكي الشرع ؟ . وإذا لم يكن بد من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن اللّه ، ونفي الصورة . وإذا قيل لك " إن الأعمال توزن " علمت أن الأعمال عرض لا يوزن فلا بد من تأويل . وإذا سمعت " أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح » علمت أنه مؤول ؛ إذ الموت عرض لا يؤتى به ، إذ الإتيان انتقال ولا يجوز على العرض . ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح ؛ إذ الأعراض لا تنقلب أجساما . ولا يذبح الموت ؛ إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن ، والموت ماله رقبة ولا بدن ، فإنه عرض أو عدم عند من يرى أنه عدم الحياة . فإذا لا بد من التأويل . والوصية الثالثة : أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات ، فإن الحكم على مراد اللّه سبحانه ، ومراد رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالظن والتخمين خطر ، فإنما تعلم مراد المتكلم بإظهار مراده ، فإذا لم يظهر فمن أين تعلم مراده إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين الواحد بالبرهان . ولكن وجوه الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير ، فمتى ينحصر ذلك فالتوقف في التأويل أسلم ؛ مثاله : إذا بان لك أن الأعمال لا توزن ، وورد الحديث بوزن الأعمال ، ومعك لفظ الوزن ، ولفظ العمل ، وأمكن أن المجاز لفظ العمل ، وقد كنى به عن صحيفة العمل التي هي محله حتى توزن صحائف الأعمال ، واحتمل أن يكون المجاز هو لفظ الوزن ، وقد كنى به عن ثمرته وهو تعريف مقدار العمل إذ هو فائدة الوزن ، والوزن والكيل أحد طرق التعريف ؛ فحكمك الآن بأن المؤول لفظ العمل دون الوزن ، أو الوزن دون العمل ، من غير استرواح فيه إلى عقل أو نقل حكم على اللّه وعلى مراده بالتخمين . والتخمين والظن جهل ، وقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبدات التي تدرك بالاجتهاد . وما لا يرتبط به عمل إنما هو من قبيل العلوم المجردة والاعتقادات ، فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن ؟ وأكثر ما قيل في التأويلات ظنون وتخمينات ، والعقل فيه بين أن يحكم بالظن ، وبين أن يقول : أعلم أن ظاهره غير مراد ؛ إذ فيه تكذيب للعقل ، وأما عين المراد فلا أدري ولا حاجة إلى أن أدري ؛ إذ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين ؛ ولست أرى أن أحكم بالتخمين . وهذا أصوب وأسلم عند كل عاقل ، وأقرب إلى الأمن في القيامة ؛ إذ لا يبعد أن يسأل في القيامة ويطالب ويقال : حكمت علينا بالظن ، ولا يقال له لم لم تستنبط مرادنا الخفي الغامض الذي لم يؤمر فيه بعمل ؟ وليس عليك فيه من الاعتقاد إلا الإيمان المطلق ، والتصديق المجمل ، وهو أن تقول :
آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
[ آل عمران : 7 ] فهذه المطالبة في القيامة بعيدة ، وإن كانت فالجواب عنها أسهل ؛ ولأجله قال الإمام مالك